على بينة من أمره، أنه حين يتحدث عن مسائل كـ «الخلافة» أو «تطبيق الشريعة» أو «الدولة الإسلامية» كما لو أنها مشاريع أو برامج سياسية قابلة للتنفيذ، إنما يتحدث قطعا بلغة «الحٌكْم الجَبْري» ، أي بلغة الأيديولوجيا أكثر مما يتحدث بلغة الشرع. ولأن الأيديولوجيا مجرد أفكار أو مشاريع أفكار من {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، وليست عقيدة أو شريعة، فهي معرضة، بطبيعة الحال، للاستهلاك والزوال. فإما أن يغيبها موت أصحابها وإما أن يطويها الزمن، حيث لا فائدة منها إلا إضاعة الوقت والجهد، أو الوقوع فريسة الصراعات والانقسامات التي تفرزها. كما عليه أن يكون على بينة من أمره أنه لم ينج أحدا، إلا من رحم الله، من هذه الطامة الكبرى التي بلورت، مع الوقت، ما يمكن تسميته بـ «العقل الجَبْري» .
في المحصلة فقد حطم «الحٌكْم الجَبْري» كل المرجعيات الدينية والأخلاقية والقيمية والتاريخية والسياسية، ولم يعد ثمة مرجعية دينية أو أخلاقية أو قيمية يمكن الاحتكام إليها في فض النزاعات الاجتماعية والخصومات. بل أن استنزاف المرجعيات توالى حتى قاربت التمايزات الاجتماعية والفضائل على الزوال، وتوحدت الثقافة العدائية ما بين الفئات العمرية لتسير بالمجتمع نحو التصادم الحتمي، وحتى عدوانية المجتمع ظهرت ضد نفسه أكثر مما ظهرت ضد أعدائه وخصومه، سواء في الجامعات والمدارس والأسواق والشوارع والأحياء وحتى المساجد أو بين الأقارب والعائلات والقبائل .. وأكثر من ذلك فقد بدا أن الأمة قابلة للانقسام، وخاسرة على كل مستوى، إلا من حقوق المستبدين وطوائف الأيديولوجيا والأقليات، التي غدت حقوقها مقدمة على أية حقوق.
لا شك أن النفوذ الأمريكي تراجع في العالم، بفعل الاستنزاف الذي تسببت به «التيارات الجهادية» في العالم، بالإضافة إلى تفاقم أزمات المنظومة الرأسمالية، بسبب الديون أو تضخم الثروات الخاصة بصورة مهولة، كما أن مشروعية النظم السياسية في «الدولة القومية» تآكلت بفعل انفجار الثورات الشعبية، إلا أن تحطيم الثورة السورية لـ «المربط» الأمني النصيري في الشام، أوقع قوى الهيمنة برمتها في لحظة انعطاف تاريخية، تهدد بزوال النظام الدولي، إلى حد الحديث عن انهياره علانية.
لذا فإن الحديث الجاري في ساحات الاستراتيجيات الدولية، الفكرية والسياسية والأمنية والعسكرية، تحث الخطى، بصورة جنونية، على استحداث مربط بديل عن «المربط النصيري» ، أبلغ أثرا، وأشد خطرا، وأجدى نفعا، حتى من «المربط اليهودي» في بيت المقدس. فالعجز الدولي عن التحكم والسيطرة يوازيه عمل شاق، يجري على قدم وساق لاختراق قلب العالم الإسلامي من الداخل، عبر تأسيس مربط جديد هو «المربط الصفوي» ، الذي سنتعرض له عميقا في مبحث مستقل. أما خطورته بالمقارنة مع «المربط اليهودي» فتكمن في كونه يمتلك ديمغرافيا اجتماعية في قلب الحواضر الإسلامية العقدية، وهو ما يفتقد إليه «المربط اليهودي» المكشوف عقديا والصريح عدائيا.