الصفحة 3 من 26

إذا انطلقنا من التجليات المؤسسية الأولى لما يسمى بـ «النظام الدولي» الراهن فسنتوقف قطعا عند الإعلان الرسمي عن تشكيل «عصبة الأمم المتحدة» ، التي تأسست بجهود القوى العظمى، بما فيها جهود الرئيس الأمريكي، توماس وودرو ويلسون (2) [1] ، في أعقاب مؤتمر فرساي للسلام سنة 1919. وهي نشأة لم تكن، فيما يتعلق بالشأن الإسلامي في العالم، إلا نشأة استعمارية صارخة، بأغطية سياسية وأخلاقية، تتحدث عن تحديث وتمدين الشعوب المتخلفة ونقلها إلى ركاب «التحضر» و «التمدن» باعتبارها، وفق وثائق صكوك الانتداب البريطانية والفرنسية المتعلقة ببلاد الشام، «أمانة مقدسة في عنق المدنية» . وبهذه النشأة التاريخية لم تكن «العصبة» إلا التجلي الأول لـ «نظام النهب الدولي» كنظام استعباد، ونهب منظم دشنته وقادته المنظومة الرأسمالية العالمية.

لكن؛ بالتزامن مع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 ظهرت «هيأة الأمم المتحدة» ابتداء من 24 أكتوبر سنة 1945 في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، كوريثة شرعية لـ «عصبة النهب» ، حيث كانت الرأسمالية العالمية على موعد تاريخي آخر من الصراع البيني، وتقاسم النفوذ الدولي عبر ما يمكن تسميته بـ «النظام الدولي الأيديولوجي» . وتبعا لذلك تم إدارة النظام، طوال أربعة عقود من الحرب الباردة وإلى حدود نهاية القرن العشرين، على أسس أيديولوجية بين فلسفتي «الرأسمالية» و «الماركسية» . وهنا لا بد من الانتباه إلى أن الصراع في هذه المرحلة كان على النفوذ، بأدوات أيديولوجية، وليس على النظام الدولي الذي لا يختلف عليه قطبا الغرب والشرق. أما العشرية الأخيرة منه، والتي دٌشنت بداياتها بتفكك الاتحاد السوفياتي رسميا في 25 ديسمبر سنة 1991، فلم تكن إلا نوعا من الفترة الانتقالية التي تميزت بهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي برمته، فيما عرف بمرحلة الأحادية القطبية.

فجأة؛ ودون سابق إنذار قطعت وسائل الإعلام والفضائيات بثها المعتاد لتنقل ما يكاد يكون أضخم حدث هز العالم، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. إنه يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001 الذي نفذ فيه تنظيم «القاعدة» سلسلة هجمات مدمرة، ومهينة، وغير مسبوقة، منذ نهاية الحرب الثانية، استهدفت رموز «الهيمنة» والقوة في الولايات المتحدة، أبرزها أبراج منهاتن في مدينة نيويورك. أما النتائج المتمخضة عن هذه الهجمات فلم تكن إلا بداية لمرحلة جديدة دشنت ما يمكن تسميته بـ «النظام الدولي الأمني» . وفيه غدا «الأمن» هو المعيار الذي تقوم عليه العلاقات الدولية برمتها وتدور في فلكه، بموجب معادلة رقمية عبر عنها الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، بعبارة شهيرة: «إما معنا أو ضد» !!!

(1) من المفارقات أن الولايات المتحدة رفضت الانضمام لها رغم الجهود الحاسمة التي بذلها الرئيس الأمريكي، وودرو ويلسون في التخطيط لإنشائها، والترويج لها، على حد تكريمه بجائزة نوبل للسلام في أشهر أكتوبر سنة 1919. وبررت الولايات المتحدة موقفها بكون: «النظام التأسيسي للعصبة ليس إلا محاولة من الدول الأوروبية الاستعمارية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى. وفي المقابل وقعت 44 دولة على ميثاقها من بينها 31 دولة شاركت في الحرب العالمية الأولى» . ولمزيد من الاطلاع على التفاصيل والوثائق يمكن مراجعة موقع «ويكيبيديا» : http://cutt.us/wbIu

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت