الصفحة 4 من 26

وما أن مضت عشر سنوات أخرى فقط على ولادة «النظام الدولي الأمني» ، وبصورة لا تقل مفاجأة عن أحداث 11 سبتمبر، حتى انفجرت الثورات العربية ابتداء من تونس في 14/ 12/2010 لتبدو النظم السياسية العربية كما لو أنها سلسلة أحجار دومينو أخذت تتهاوى الواحد تلو الآخر. بل أن أشد المفاجئات دهشة لم تكن فيما يراه البعض نكسة أو انهيار لما أُسمي بـ «الربيع العربي» الذي انتقل من الاحتجاج السلمي إلى الاحتجاج المسلح، خاصة مع الثورتين الليبية والسورية، بل في الأزمات التي تعصف بالنظام الدولي الذي لم يعد يتحدث عنه أحد اليوم بصيغة الانتقال من حالة إلى حالة، كما لاحظنا في الفقرات الماضية، بقدر ما يجري الحديث صراحة عن انهياره (3) [1] .

على كل حال؛ ففي مستوى الأهداف والغايات التي وجد من أجلها، أو سعى إلى تحقيقها، لم يختلف النظام الدولي بالأمس عنه اليوم. لكن في مستوى البنى المشكِّلة له أو في مستوى «أمنه» و «استقراره» و «استمراريته» فهو في وضع شديد الحرج إنْ لم يكن قد بات في مهب الريح بعد مضي مائة سنة على تشكيله. فحين يغدو «الأمن» و «الاستقرار» هو المشكلة الأولى للنظام الدولي الراهن فهذا يؤشر على أنه بات في أقصى حالات الاستنفار، مثلما هو بالضرورة المنطقية في أضعف حالاته على الإطلاق، مما يجعله، حُكْما، في وضع الدفاع إنْ لم يكن في صراع على البقاء!!! فما هي خلفيات النشأة؟ وعلى أية أسس أمكن بناء نظام دولي مهيمن؟ وبأية آليات أمكن حمايته من «التفكك» و «الانهيار» ؟

لا شك أن انتصار الثورة الفرنسية سنة 1789 مثّل الانعطافة الأعظم في تاريخ أوروبا على وجه الخصوص، وتاريخ البشرية على العموم. فالانتصار عنى، في حينه، نهاية عصور التفكير «الميتافيزيقي» (مرحلة الاعتماد على القوى الخارقة أو ما قبل العقل في تفسير الظواهر والأحداث) و «الفلسفي» (اليوتوبيا = المثالية) ، ليحل محلهما عصر «الوضعية» (العقل = العلم) . وبموجب العلم أصبح بالإمكان (1) تعريف المادة و (2) القدرة على تشكيلها و (3) التحكم بها، كمقدمةً للخروج من العصر البايولوجي، والانطلاق نحو العصر الميكانيكي. وتبعا لذلك فقد ظهرت الحاجة الماسة إلى الرأسمال والموارد والثروات، الكائنة على امتداد الأرض وبواطنها، والتي تحتاجها أوروبا كي تلج العصر الصناعي من أوسع الأبواب. وكان على أوروبا أن تجيب، قبل كل أمر وشيء، على سؤال جوهري في حينه هو: كيف يمكن جلب هذه الاحتياجات (الرأسمال والموارد والثروات) من الخارج؟

سؤال؛ يعني أن أوروبا لا بد وأن تخرج من حدودها عاجلا أم آجلا. ولكن كيف؟ وبأية مبررات ووسائل؟ فإذا كان لـ «الخروج الأوروبي» أن ينجح، فلا مفر من آلية تسمح بذلك دون أن تؤدي إلى حروب بينية في قارة ألحقت فيها الحروب الدينية جروحا غائرة، وسط تيارات جارفة من الكتابات والأفكار التي تتحدث عن الحاجة إلى «القانون» و «الأمن» و «التعايش السلمي» لوقف سفك الدماء الذي استمر قرونا طويلة.

(1) هذا ما صرح به فولفغانغ إيشنغر، الدبلوماسي الألماني ومنظم مؤتمر ميونخ للأمن في 6/ 2/2015. على موقع الجزيرة نت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت