الصفحة 5 من 26

كانت فكرة إقامة نظام دولي قد شقت طريقها مبكرا في أوروبا منذ مطالع القرن 19 لتشتد في أواخره. وكان يتواجد في العالم حتى آنذاك نحو 24 دولة، مما يعني أن الوحدة السياسية المركزية للنظام الدولي العتيد لا بد وأن تكون «الدولة القومية» الحديثة. لكن نمط «الدولة الممتدة» لم يكن قد فارق أوروبا والعالم بما في ذلك العالم الإسلامي. ولأن الصراع يجري على الرأسمال، فمن الطبيعي أن تشهد أوروبا صراعات سياسية على النفوذ والامتيازات والمكاسب، وكذلك انقسامات اجتماعية تسمح بإشاعة نموذج «الدولة القومية» ذات الحدود السياسية الواضحة بديلا عن «الدولة الممتدة» التي لا بد وأن تتفكك في أوروبا أولا (4) [1] ثم في العالم ثانيا.

هكذا انطلق الفكر القومي الأوروبي في أربعينات القرن 19 ليفجر صراعات دامية لتفكيك الدول الممتدة في أوروبا أو للتوافق على صيغ سياسية ذات قيم لبرالية حديثة تسمح لمجموعة بشرية من عدة قوميات بالعيش بموجب ما يسمونه «قيم العالم الحر» كـ: «الحرية» و «إرادة العيش المشترك» و «التسامح» و «التعددية» و «المساواة» ... وهي المنظومة القيمية التي يتحدث عنها اليوم لبراليو العرب وعلمانيوهم، وكأنها قيم أصيلة أنبتها التاريخ العربي ووقائعه، ناهيك عن التراث الإسلامي، الذي ينبذونه عقيدة وحضارة وتاريخا. والأعجب من ذلك حين يتحدثون بدوغمائية عجيبة عن «القومية» كفكرة جامعة، يمكن أن توحد العرب في دولة واحدة، في حين أنها لم تنوجد في أوروبا أصلا، ولم يكن لها ثمة حاجة، إلا لتفكيك «الدولة الممتدة» ذاتها!!! بل أن «الدولة القومية» في أوروبا تأسست بمقتضى قيم ملفقة كمبدأ «إرادة العيش المشترك» ، وهو الذي يعني أنه ما من دولة في أوروبا نشأت على أساس «النقاء القومي» بقدر ما تأسست على قيمة ملفقة أخرى هي «التعدد القومي» المرشح، كغيره، لٍِأنْ يهدد وجود الدولة ذاته، عبر حركات الانفصال التي تشهدها دول مثل إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة وكندا. كما أنه ما من معنى أو مضمون جوهري لـ «قيم العالم الحر» ، ماضيا وحاضرا وحتى مستقبلا، إلا الانقسام أكثر منه التوحد. وما من ضامن للتوحد وسط عناصر انقسامية بنيويا.

مع ذلك فقد انطلقت الجيوش الاستعمارية الأوروبية نحو أفريقيا وآسيا وأمريكا لتفكيك الإمبراطورية العثمانية الأخطر، باعتبارها «الدولة الممتدة» ، ليس عبر الحدود بل وعبر القارات. وهو ما سيعني بالمحصلة وجوب تفكيك العالم الإسلامي برمته. ولأنه عالم ينظم بموجب قيم عقدية لا وضعية، فقد كان من الطبيعي أن يجري استهدافه مبكرا جدا على المستوى الثقافي، وتعريض الكتل السكانية الكبرى فيه، بما في ذلك القوى الحيوية التي تداولت الحكم عليه (العرب والترك والكرد) ، إلى تمزيق شديد وبالغ التعقيد، ابتداءً من حدود المحيط الهادي شرقا وانتهاءً بتخوم القارة الأفريقية على حدود الأطلسي غربا. ولأن الدولة الإسلامية هي، في المبدأ والمنتهى، نظام حكم شرعي، ممثل بسلطان الخلافة، أكثر مما هي جغرافيا سياسية ممتدة، فقد عمد النظام الدولي، منذ صياغته

(1) في الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى كتب Jeffrey D. Sachs مقالة بعنوان: «خراب الحرب - 21/ 7/2014» ، يستذكر السياسات الفاشلة التي قامت الحرب على أساسها، ويرى «أن: الحرب العالمية الأولى كانت سببًا في إنهاء أربعة أنظمة إمبراطورية هي: الأسرة البروسية (آل هوهنتسولرن) ، والأسرة الروسية (آل رومانوف) ، والأسرة التركية (العثمانية) ، والأسرة النمساوية المجرية (هابسبورج) » ، مشيرا إلى أن الحرب: «لم تسفر عن وفيات بالملايين فحسب؛ بل خلفت أيضًا إرثًا من الثورة، وإفلاس الدول، وتدابير الحماية، والانهيار المالي الذي مهد الساحة لصعود هتلر، والحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة» . وأنه: «إلى يومنا هذا، لا نزال نعاني من آثار تلك الحرب» . على موقع: http://cutt.us/rZPiR

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت