الأولى، إلى تحطيمه وإلغائه بصورة تامة، كي لا يأتلف العالم الإسلامي مجددا، لا على أساس شرعي تاريخي، ولا حتى على أساس «الدولة القومية» ، ذات المرجعيات الوضعية الصرفة.
على الرغم من أنه ما من فرصة لإقامة نظام دولي بدون تفكيك العالم الإسلامي، إلا أنه أيضا ما من فرصة لِأنْ يستمر بموجب معاهدات ووثائق، ولا حتى عملاء وخونة لا بد للزمن أن يطويهم. لذا كان لا بد قبل ذلك من التفكير والبحث عن قوى مادية (1) تمسك في النظام من جهة، ومن جهة ثانية (2) تحول دون ائتلاف العالم الإسلامي ثانية، أو تهديد «أمن» النظام و «استقراره» . هذه القوى هي التي نسميها بـ «المرابط» أو «المعاقد» أو «الأوتاد» . فما هي تاريخيتها؟ وما هي آليات اشتغالها؟
أولا: المربط الثقافي والدولة القومية
تعتبر بريطانيا، بنظر المؤرخين السياسيين أقدم دولة ظهرت بالمحتوى السياسي المؤسسي الراهن، وقد تشكلت في أعقاب الثورة الإنجليزية (1660 - 1640) في صيغة اتحاد سياسي من إنجلترا وويلز واسكتلندا في 1/ 5/1707. ولأنها بروتستانتية فلم تتأثر أوروبا التي تدين غالبيتها بالمذهب الكاثوليكي كثيرا، إلا في أعقاب الثورة الفرنسية سنة 1789.
فقبل ولادة «الدولة القومية» كانت أوروبا أشهر ميدان في الصراع بين الفرق الدينية المسيحية التي لعنت
بعضها، وكفرت بعضها بعضا، وخاضت حروبا طاحنة فيما بينها لقرون طويلة ومظلمة ودموية. ولا عجب أن تتميز أوروبا بكونها ساحة للصراعات الفكرية الناجمة عن هيمنة الكنيسة، باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن نمط الحياة واحتكار التشريع فيما يجوز ولا يجوز. وعلى وقع المعاناة والثمن الباهظ الذي دفعه العلماء من أرواحهم وأجسادهم شق «العقل الوضعي» طريقه إلى الحياة الأوروبية، واستطاع أن يتجاوز المرحلتين «الميتافيزيقية» و «المثالية» .
وفي السياق كانت أوروبا أول ميدان في الصراع على «فكرة القومية» التي بدأت كـ «نزعة» تغزوها منذ أواخر القرن 18، إلى أن تبلورت واستقرت كمفهوم، على وقع الحروب الدموية والحراك السياسي واللغوي والإرادة العامة في العيش المشترك والاقتصاد وحتى الثقافة والقيم والأيديولوجيا، وصولا إلى البايولوجيا التي طبعتها بالطابع التنافسي والعنصري الاستعلائي على سائر البشر. وفي النهاية أسفرت عن تفكك الصيغة الإمبراطورية في الاجتماع الإنساني الأوروبي إلى صيغة قومية على شاكلة الإنجليز، الفرانسيس، السلاف، الألمان، والبلغار، الهنغاريين، النمساويين، الطليان .... وما إلى ذلك، مع العلم أنه لا تكاد دولة أوروبية حتى اليوم تخلو من التعددية القومية، وسط تهديدات بالانفصال في هذه الدولة أو تلك.