الصفحة 2 من 26

ليست «الهيمنة» إلا التعبير الوضعي المقابل للمفهوم الشرعي لـ «الحٌكْم الجَبْري» أو «الجَبْريَّة» . وفي الدلالة يتطابق المفهومان لغة وشرعا. فمن جهة؛ ينطوي المفهومان على معاني العمومية والشمولية، ومن جهة أخرى يتأسسان على» العظمة والتجبُّر والترفُّع عن الانقياد «، وتبعا لذلك سيمتلكان، وفقا للمعطيات اللغوية، من السمات المميزة التي تمكنهما من ممارسة: (1) القهر والإكراه (التسلط) ، و (2) إحكام السيطرة والسطوة (الإخضاع) ، و (3) الرقابة، و (4) الحفظ، على كل من في الأرض، تحت تهديد» القتّال في غير الحق «. هذه السمات؛ وهذا المحتوى يعني بالضرورة أن «الحٌكْم الجَبْري» لم يكن اختياريا، ولا يمكن أن يكون كذلك، بقدر ما يتعلق الأمر بقوة قاهرة، تنتمي لملل الكفر أصلا وفصلا، تَوَفَر لها من الشروط، في مرحلة معينة من الزمن، ما مكنها من القدرة على ممارسة «القهر «و «الإكراه «، وفرض نماذجها على كل من في الأرض.

بعض من الفقرة أعلاه كانت جزءً من بحث سابق من جزأين؛ كان الأول بعنوان: «الحٌكْم الجَبْري: مقدمات ونتائج 1 - 14/ 4/2014 «، والثاني بعنوان: «العقل العقدي والعقل الجَبْري 2 - 18/ 4/2014 «. أما في الجزء الأول، فقد تم التمييز بين امتلاك قوى «الجَبْر «أو «الهيمنة» لأدوات القوة، باعتبارها] مقدمات الدخول في الحكم الجَبْري [، وهي: (1) المعرفة والعلم، و (2) إقامة الدولة القومية، و (3) إقامة النظام الدولي، وبين] الوقوع في الحكم الجَبْري [، الذي يتطلب (1) تفكيك الجغرافيا، و (2) تحييد الدين، و (3) تفكيك الهوية، و (4) تعميم الشرائع الوضعية.

في الصفحات التالية سنعرض مبدئيا لـ (1) المراحل التي مر بها النظام الدولي، ووصل إليها في وقتنا الحاضر. لكن حين الغوص في تاريخية النشأة سنلاحظ أن (2) تأسيس النظام الدولي لم يكن إلا نتيجة لمقدمات موضوعية دلت على أفول مرحلة، من ضمن ثلاثة مراحل سابقة، ذات سمات مركزية، والدخول في أخرى رابعة، ذات مدخلات ومخرجات تناقض كل ما سبق من مراحل. نعني بذلك مرحلة «الهيمنة» (= الحكم الجَبْري) . كما سنلحظ في العمق (3) تلك الآليات والأدوات التي مكنت «الهيمنة» من إحكام السيطرة والرقابة، والتوغل عميقا في الأمة، وشتى مناحي الحياة الإنسانية، وتفكيكها وقهرها وإذلالها، حتى بدا «حديث القصعة « (1) هو التوصيف الأبلغ تعبيرا عن حال الأمة، التي تشهد اليوم تدافعا بين قوى الحق والباطل، في شتى أرجاء الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت