بحيث تبدو الحرية المنشودة مجرد رقم تفرزه صناديق الاقتراع (8) [1] . وهذا مؤشر على أن إسقاط النظم وتصفية «الدولة العميقة» وقواعدها ورموزها سيؤدي إلى الصدام الحتمي، ليس مع «ولي الأمر» كما يزعم البعض، بل مع «المركز» نفسه ومع أدواته وقواعده وقيمه. وتبعا لذلك لم يكن غريبا أن «تعجز» الثورات التي مرت في المرحلة الأولى «ارحل» عن تجاوز المرحلة الثانية باتجاه العمل على «إسقاط قواعد النظام» ، ناهيك عن مجرد التفكير في خوض المرحلة الثالثة التي تتطلب إسقاط «قواعد الهيمنة» ومستوطناتها التاريخية. لكن من العجيب حقا أن يتعجل البعض النتائج، ظنًا منه أن صناديق الاقتراع يمكن أن تَجُبَّ ما قبلها، وتصادر جهود «المركز» ، في التحكم والسيطرة، بورقة خرقاء، تذهب بـ «الدولة القومية» ومزارع النظام الدولي أدراج الرياح.
إذن «الدولة القومية» لم تستوطن في بلادنا إلا بعد (1) مطاحن دموية في أوروبا، و (2) حروب عالمية وحشية، و (3) تفكيك للعالم الإسلامي، و (4) فرض لنظام «الهيمنة» ، و (5) زرع لـ «إسرائيل» ، و (6) تخريب للثقافة، و (7) إقصاء بالغ العنف للدين من حياتنا الاجتماعية في كافة مستوياتها و ... إلخ فما الذي قدمه العالم العربي من تضحيات لنيل حريته، وقد أغمد سيوفه منذ زمن بعيد، واكتفى بالمنافسة على إنجاز أكبر قرص «فلافل» أو طبق «كَبْسة» !!؟ أليس من المثير حقا أن نجد القسم الأعظم من الأمة وأغلب علمائها ومفكريها يتحدثون عن «الدولة القومية» كما لو أنها، بلغة فرانسيس فوكوياما قبل ربع قرن، «الإنسان الأخير ونهاية التاريخ» !!!!؟
لا ريب أن القرن التاسع عشر كان قرن الفتن بامتياز. ولا ريب أيضا أن الأقليات والطوائف لعبت دورا بارزا في تفكيك العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، إلى جانب رموز وقواعد «المربط الثقافي» . ولم يكن ما يجري من فتن إلا صدىً لسياسات الدولة العثمانية، وللثورة الفرنسية، والفكر القومي الأوروبي، وإجمالا للمنتجات الفكرية لعصر الأنوار، فضلا عن جهود المستشرقين الذين لم يُبقوا شبهة إلا وأحيوها أو اصطنعوها أو روجوا لها، أملا في إدخال العالم الإسلامي في أتوت فتن وصراعات بينية لا تتوقف، وتجهيل في التاريخ لا حدود له، وتنفير
(1) يعلم اللبراليون أنهم أقلية في المجتمع والدولة، لذا لا يعولون على صناديق الاقتراع لإزاحة بريق الإسلاميين من الشارع. وتبعا لذلك لا يعترفون بنتائج صناديق الاقتراع كما يطالب الإسلاميون، بل يعتبرون المجتمع جاهل لا يعرف مصالحه ولا مستقبله. أما لماذا يفعلون ذلك فلأنهم يحرصون على ضمان بقاء «الدولة القومية» علمانية بكل حمولتها التاريخية القادمة من عمق «الفكر القومي» الأوروبي و «عصر الأنوار» المعادي للدين أصلا. ولهذا يرون أن معركتهم الحقيقة تقع في مضمون الدستور وليس في صندوق الاقتراع. ولا ريب أنها رؤية صحيحة، طبقا للمرجعيات الفلسفية والسياسية والاجتماعية لـ «الدولة القومية» . ومع أننا قد نجد من الإسلاميين من هو لبرالي أكثر من اللبراليين أنفسهم، إلا أن اللبراليين لا يثقون بهم. ويصرون على أن الإسلاميين يستعملون الديمقراطية كوسيلة، لمرة واحدة، يصلون بها إلى الحكم ثم ينقضون عليها. وبدورهم لا يريد الإسلاميون أن يقتنعوا بأن «الدولة القومية» ليست دولتهم بقدر ما هي دولة «المركز» ومرجعياته، وبالتالي لن يسمحوا لهم بتغيير هويتها وسماتها التاريخية والبنيوية. وهذا بالضبط هو جوهر الصراع مع الثورة المضادة في مصر وغير مصر.