الصفحة 9 من 26

هذه البعثات أنتجت في مصر وبلاد الشام خاصة، الشام وبيروت، ما يعرف برموز التغريب، ممن أسسوا لـ «قواعد اللبرالية» و «الهيمنة» تاريخيا، أمثال محمد علي باشا وجمال الدين الأفغاني، وتلامذته مثل الشيخ محمد عبده، ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ولطفي السيد ومحمد حسين هيكل وإسماعيل مظهر وعباس محمود العقاد، وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم. أما في المغرب العربي فقد برز اسم الطاهر الحداد (1899 - 1935) ، وخير الدين التونسي، وفي الشام برز الثلاثي الشهير شبلي شميل وشارل العيساوي وفرح أنطون، من نخب الثقافة النصرانية، بالإضافة إلى نيقولا حداد وبطرس البستاني، وجورج زيدان، وأديب إسحاق، وسليم نقاش وميشيل عفلق وقسطنطين زريق، وكذلك ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم. وانتظم الكثير من هؤلاء في أحزاب سياسية أو تيارات فكرية أو نوادي أدبية أو جمعيات مدنية أو دور نشر وترجمة ووسائل إعلام متنوعة.

لذا، ولكي نفهم الأحداث الجارية في دول الثورات، ونتوقف عن «العجلة» أو الركون إلى «العقل السلبي» في الفهم والتفسير، علينا أن نلاحظ أن أميز ما في «الثورة المضادة» التي رُدَّت، محليا، إلى قواعد ورموز ما أُسمي بـ «الدولة العميقة [1] » في مصر ثم تونس وحتى اليمن وليبيا، أنها بدأت بنيوية حتى في خضم وقائع الثورات، دون أن تفلت منها دولة واحدة (6) [2] . وهو أمر طبيعي للغاية. إذ أن القواعد التاريخية لـ «الثورة المضادة» عميقة الجذور وليست طارئة، بالمقارنة مع دول ونظم سياسية حديثة النشأة وغير آمنة. وإذا تتبعنا السياسات والمواقف الدولية والإقليمية من الثورات سنجد أن دفاعات «الثورة المضادة» صارت تتلقى دعما صريحا من المرجعيات السياسية الدولية (7) [3] ، ناهيك عن المرجعيات التاريخية التي أوجدتها، وأوجدت الدولة ذاتها من قبل. بمعنى أن الانتكاسات والتساؤلات «المحبطة» يجب أن تُطرَح في سياق التاريخية التي ظهرت فيها الدولة «الوطنية» أو «القومية» الراهنة، وليس في إطار الحدث اليومي، أو في سياقات محلية فقط من نوع «الدولة العميقة» ، التي لا يمثل رموزها إلا صدىً لمرجعيات فلسفية وبنيوية، هي المسؤولة تاريخيا عن إنتاج «الدولة القومية» ذاتها، وما تحتويه من بذور العداء المستحكم لكل ثقافة محلية أو عقيدة أو شريعة ربانية.

وبالتالي سيبدو «الخروج» على هذه المرجعيات بمثابة المس المباشر في صلب مشروعية الدولة وهويتها التاريخية وقيمها التي لا تعترف بتجزأة «الديمقراطية» كـ «موضوع = قيمة» من جهة و «أداة» من جهة أخرى،

(1) (كان رئيس الحكومة التركية، بولاند أجاويد، هو أول من تحدث سنة 1974 عن «الدولة العميقة» . ولمزيد من التفاصيل عن المصطلح يمكن الاسترشاد بمقالة الدولة العميقة في موسوعة «ويكيبيديا» على الشبكة: http://cutt.us/5 lK 32

(2) أول رئيس حكومة في مصر كان أحمد شفيق الذي عينه الرئيس حسني مبارك قبيل الإطاحة به!! وأول وزير أول بتونس كان الباجي قائد السبسي. وكلاهما قاد الثورة المضادة منذ اللحظة الأولى.

(3) لاحظ تصريحات الفرنسيين والبريطانيين والأمريكيين التي تطالب بدعم اللبراليين بدلا من الإسلاميين لأنهم لا يثقون بأن يتسلم الدولة غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت