أولا، و «الدولة القومية» ثانيا، وليست بدعا من القول. هذه الحمولة أثبتت مخرجاتها، بالوقائع القاطعة، أنها أشد دموية حتى من «الدولة الدينية» في أوروبا. فـ «الدولة القومية» هي التي قادت حملات الاستكشاف الضخمة في العالم، وهي الوحدة المركزية لنظام «الهيمنة» الدولي، وهي التي انطلقت في حملات الاستعمار والاستعباد وقهر الشعوب، وهي التي نشطت في عمليات النهب المنظمة لثروات الأمم، وهي التي أفرزت قيمها حربين عالميتين، وقنابل ذرية ونووية اختُبِرت فاعليتها على البشر، وهي التي أودت بحياة عشرات الملايين من ضحايا الإبادة والحروب والتعذيب في قارتي آسيا وأفريقيا وقبلهما أوروبا، وهي التي زرعت أنظمة الاستبداد ورعتها، فضلا عن تفكيك العالم الإسلامي، وتحطيم نظامه السياسي. هذه هي الدولة التي تم تصديرها لنا بأوحش ما تحمله من تراث.
أما في العالم الإسلامي فقد بدأت أولى بواكير التغريب تغرز أوتادها انطلاقا من الربع الأخير من القرن الثامن عشر. كانت أوروبا في تلك الفترة قد قطعت شوطا طويلا في الخروج من المرحلة المثالية وعبور المرحلة الوضعية التي دشنت قطيعة مع الكنيسة وثقافتها وهيمنتها في شتى نواحي الحياة الإنسانية. كما كانت أوروبا تخرج أيضا من المرحلة البايولوجية إلى المرحلة الميكانيكية، ومن مرحلة الإقطاع إلى مرحلة التحديث، ومن القرية إلى المدينة، ومن الفقر إلى الرأسمال، ومن العبودية إلى الحرية والحقوق وصولا إلى التحرر ... إلخ
في هذه الفترة كانت الإمبراطورية العثمانية تشهد حالة ترهل وفساد وحروب وتخلف وتراجع استدعى القيام بإصلاحات جذرية. فاتجهت الأنظار نحو أوروبا حيث التقدم في نظم الري والزراعة والهندسة والاقتصاد والإدارة ونظم القوانين والدساتير والسياسة. وقامت بإرسال أولى البعثات التي جرى التعويل عليها في نقل التجربة إلى سويسرا وفرنسا. لكن هؤلاء عادوا منبهرين بالأفكار اللبرالية والقومية. ومع ذلك فقد ظلت البعثات العثمانية إلى أوروبا تتوالى إلى أن صار للفلسفات الأوروبية صدىً يتردد في رحاب السلطنة وحواضرها، ومن ثم مستوطناتها التي أنتجت فيما بعد الأحزاب العلمانية التي كانت «الحركة الطورانية = التتريك» وحزب «تركيا الفتاة «وكمال أتاتورك وأمثالهم أولى بواكيرها وتجلياتها.
وفي المشرق العربي وضعت الفلسفات الأوروبية أوزارها عبر حملة نابليون على مصر (1798 - 1801) . ولشدة انبهاره بالحضارة الغربية ونقل نموذجها إلى مصر وسائر البلاد العربية اعتمد محمد علي باشا، أحد أقدم وأخطر رموز الفكر اللبرالي والتغريب والعداء السافر للدين، على البعثات العلمية المتخصصة والثقافية إلى أوروبا. وبدأت أولى البعثات الطلابية إلى إيطاليا سنة 1813 ثم إلى فرنسا بدءً من سنة 1826، وخلال الفترة ما بين 1813 - 1847، تم إرسال 339 مبعوثًا إلى أوروبا، دون أن تتوقف سياسة الابتعاث طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (5) [1] .
(1) سليمان بن صالح الخراشي، «كيف تسللت الليبرالية إلى العالم الإسلامي؟» ، بحث منقول بتصرف يسير من كتاب «الفكر الاجتماعي في مصر» ، للدكتور بسام البطوش، نقلا عن: سامي سليمان السهمي، «التعليم والتغيير الاجتماعي في مصر في القرن التاسع عشر» ، الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة) ، 2000، ص 72 - 75، ص 290 - 296. موقع «صيد الفوائد» : http://cutt.us/jVRW