في المحصلة؛ فإذا كانت النشأة التاريخية لـ «الفكر القومي» الأوروبي ليست إلا نتاج أصيل لكل هذه الصراعات والأفكار؛ بما فيها «عصر الأنوار» الذي عج بالفلسفات الوضعية، كاللبرالية ومنتجاتها من العلمانية والعنصرية، والمذاهب المادية كالاشتراكية والرأسمالية والماركسية، فإن «الدولة القومية» ، لا يمكن أن تكون إلا الوريثة الشرعية لهذا «الفكر» ، بقطع النظر عن مدى تماسك الفكر القومي من ضعفه. ولأنها قامت على أنقاض الكنيسة، «= الدولة الدينية» ، فهي بالضرورة والنشأة معادية للدين بصرف النظر إنْ كان وضعيا أو سماويا، صحيحا أو محرفا أو وثنيا. ومع نمو النزعة القومية لم يعد الناس يتعارفون فيما بينهم على خلفية الانتماء الديني، كأن يقال: هذا مسلم وذاك مسيحي أو يهودي أو مجوسي أو بوذي أو هندوسي ... . وتبعا لذلك لا تقيم «الدولة القومية» أي وزن للدين في الحياة العامة، ولا تستعمله إلا كمعطى وظيفي في الحشد الاجتماعي لتحقيق أغراض سياسية أو اجتماعية. بل أننا لن نجد على وجه الأرض دولة واحدة تحكم بموجب الدين. ويشمل ذلك «الدولة اليهودية» في فلسطين، التي أسسها العلمانيون والملاحدة اليهود، بنسبة تزيد عن 80%. بل أن «اليهودية» بحد ذاتها لم تكن هدفا بقدر ما كانت، ولمّا تزل، مشروعا سياسيا لمنظومة استعمارية صرفة، جرى تبريرها بلباس توراتي مزعوم.
لكن أطرف ما في «الدولة القومية» أنها شابهت الكنيسة في استلهامها لإرث الحضارتين اليونانية والرومانية
وحتى النصرانية، ولم تتخل أبدا عن ثنائية «الأسياد» و «العبيد» !!!! فالنظام الفيودالي الذي ساد أوروبا تحت حكم الكنيسة لم يكن إلا استيحاء، وإلى حد كبير، من الفلسفة الإغريقية ذاتها في تجلياتها «الإفلاطونية» للمجتمع والدولة والفرد من جهة، وللعلاقة بين «الأسياد» و «العبيد» من جهة ثانية، حيث لم يكن ثمة «مجتمع» ولا «مواطن» ولا حتى «إنسان» بقدر ما كان هناك «أسياد» و «عبيد» . لذا ليس غريبا أن يقوم النظام الدولي الراهن على ذات الثنائية فيما يسمى زورا بالعصر الديمقراطي والحريات وحقوق الإنسان. ومن يطالع كتاب أفلاطون المسمى «الجمهورية = The city» ، فضلا عن النظريات العنصرية والوحشية في «مبدأ السكان» و «أصول الاقتصاد السياسي» لروبرت مالتوس (14/ 2/1766 - 23/ 12/1834) ، «الأمير» لميكيافيلي (3/ 5/1469 - 21/ 6/1527) ، سيعلم جيدا حقيقة «الدولة القومية» ومرجعياتها المتوحشة التي تتغنى بها أوروبا، وتشكل الوحدة السياسية المركزية للنظام الدولي القائم حاليا. ولا يغير من هذه الحقيقة التاريخية الوثيقة الشهيرة التي كتبها فلاسفة التنوير في أعقاب الثورة الفرنسية باسم: «حقوق الإنسان والمواطن» ! حيث لم يكن ثمة إنسان ولا مواطن ولا مجتمع في أوروبا. وهي ذات الوثيقة التي أقرتها هيأة الأمم المتحدة في 10/ 1/1948 باسم «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» !!! في حين أن الحقيقة التاريخية الخالصة تؤكد أن الإعلان هو إعلانهم، والمشكلة هي مشكلتهم وليست مشكلة العالم الإسلامي والمسلمين. بل أن الكوارث لم تصل العالم الإسلامي إلا لما قامت «الدولة القومية» ، وتم فرضها على العالم.
لذا لم يكن غريبا، مع هكذا منتجات سياسية ومرجعيات، أن تكون «النازية» و «الفاشية» و «العنصرية» و «الفوضوية» و «الأممية» و «الصهيونية» و «الماسونية» هي منتجات أصيلة طبعت «الفكر القومي» الأوروبي