من الدين، حتى أن الغالبية الساحقة من عامة المسلمين، وحتى خاصتهم، وإلى وقت قريب جدا، ظنوا أن الشريعة هي قطع الأيادي ورجم النساء.
بدأ الاختراق الأوروبي للدولة العثمانية في أواخر القرن 17، عبر تفاهمات صيغت بين الجانبين، واستهدفت «حماية» النصارى. وبموجبهما تولت فرنسا والنمسا حماية ورعاية طائفة الكاثوليك، وتولى الروس الأرثوذكس، وتكفل البريطانيون بطوائف البروتستانت. وحصل هؤلاء على امتيازات. أما التفاهمات، بحد ذاتها، فقد أسست لما عرف لاحقا بعهد القناصل الأوروبيين، الذين سيتمتعون بامتيازات مماثلة لم تلبث أن تحولت إلى «حقوق أوروبية» في الدولة العثمانية.
هذه الامتيازات؛ شملت تسهيلات في السفر، والتقاضي أمام محاكم خاصة، والتعليم، والإعفاء من الضرائب في قطاعات بعينها، وتعيين قناصل أو تراجم أو موظفين قنصليين في البلاد. وكان محمد علي باشا أول من نقلها من طور «الحقوق» إلى طور «المساواة التامة» بين المواطنين سنة 1831. ولم تلبث الدولة العثمانية بعد هزيمتها أن تبنتها عبر مرسوم «خطي شريف كلخانة» سنة 1839 ثم أكدت عليها في «خطي شريف همايون» سنة 1856.
وقد يبدو طريفا أن تحرص الدول الأوروبية على ما باتت تعتبره حقوقا لرعايا طائفية في وقت تثور فيه على الكنيسة وتاريخها وسلطانها! والحقيقة التاريخية أن المسألة لم تكن لتخرج عن سياق تعميم القومية عبر الأقليات والطوائف وترقية حقوقها إلى مستوى القومية المنفصلة عن أي ارتباط ديني. فبعد 1860 غدت بلاد الشام موضع اهتمام سياسي حاسم لدى فرنسا. واجتهد المستشرقون في دراسة المجتمعات الإسلامية العربية، بحثا عن التباينات الثقافية والتاريخية، وترقيتها إلى متغيرات مستقلة، بحيث تغدو جغرافيا بلاد الشام وحدة جغرافية واحدة، فيما تبدو الديمغرافيا أمة مستقلة بذاتها، بعيدا عن كل التاريخ الإسلامي، وليس مجرد حقوق لأقليات أو طوائف. فباسم الأقليات وعبرها سيجري الاستحواذ على بلاد الشام برمتها، وهو ما لاقى هوىً لدى رموز «المربط الثقافي» الذين يؤمنون بأن العيش في ظل دولة قومية هو «الضمان الوحيد» لـ «مبدأ المساواة» ، بخلاف الحال في الدولة الإسلامية التي تفرض قيودا على الأقليات الطائفية والدينية، في المناصب العليا والحساسة.
لم يكن يختلف أحد، من نخب التغريب، كثيرا على ثقافة التحرر، سواء بالتفاهم مع الدولة العثمانية أو مع الدول الأوروبية. فقد كان هناك فيض من وجهات النظر أكثر منها اختلافات. وفي المحصلة نادت جميعها بتقسيم بلاد الشام أو بقائها وحدة جغرافية واحدة باسم «الولايات السورية المتحدة» ، ووضعها تحت الوصاية الفرنسية. بل أن مطالب الدروز والنصيريين بدول مستقلة في الشام شقت طريقها إلى الوجود في عهد الانتداب الفرنسي.
فما أن تفجرت الحرب العالمية الأولى حتى حلت دول الانتداب في بلاد الشام، واجتهدت فرنسا في الإعداد لتسليم «النصيرية» البلاد مبكرا، فعملت على إنزال الطائفة المنبوذة اجتماعيا من الجبل إلى السهل، حيث المدينة والنفوذ والمال والسلطة، وأدخلتها في مؤسسات الحكومة السياسية والإدارية والعسكرية والأمنية والاقتصادية