والتجارية وفي قطاعات التعليم والصحة، حتى إذا ما شارفت على الرحيل عن سوريا يكون هؤلاء قد استوطنوا في المراكز الكبرى والحساسة في الدولة، بما يسمح لهم بتسلم السلطة مستقبلا دون عناء يذكر.
في أعقاب العدوان الثلاثي، (بريطانيا، فرنسا، «إسرائيل» ) ، على مصر سنة 1956 تراجعت فرنسا وبريطانيا عن قيادة النظام الدولي، لتتقدم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولكون هذا الأخير هو المعني، أمنيا وسياسيا، بإدارة المناطق المتوترة في العالم، فقد كان من الطبيعي أن يتولى الشأن السوري، ويسلم السلطة لـ «النصيرية» بموجب ما عرف بـ «الحركة التصحيحية» التي قادها حافظ الأسد ابتداء من 16/ 10/1970. ومن هذا التاريخ بدأت الطائفة بالاستحواذ الفعلي على الدولة والمجتمع وحتى الفرد، ثم استحكمت مع انتصار ثورة الخميني في إيران سنة 1979 فيما اشتهر آنذاك بـ «الثورة الإسلامية في إيران» .
الحقيقة التاريخية والواقعية أن «النصيرية» اضطلعت بتعميم ثقافة «أرض الثوار» و «الأحرار» و «الصمو
د والتصدي» و «المقاومة والممانعة» وما إلى ذلك من الأيديولوجيات الراديكالية، إلا أن «النصيرية» لم تكن إلا الأداة الأمنية الأخطر في تاريخ الأمة. فلا المسلمين في سوريا أُفلتوا من طغيانها ووحشيتها، ولا الحركات الوطنية المحلية والعربية والفلسطينية، على وجه الخصوص، نجت من جرائمها وكوارثها في لبنان وغير لبنان. بل أن الطائفة، باعتبارها خيارا وامتيازا دوليا، لم يكن لتأهيلها وترقيتها إلى قمة السلطة من هدف إلا (1) احتواء كافة حركات التمرد والمقاومة التي كان من الطبيعي أن تنشأ ردا على التقسيم وتفكيك العالم الإسلامي، و (2) الحرص على كشف أستارها أمنيا، وهي التي ظنت لعقود طويلة أنها آمنة ومحمية الظهر!!! وعليه فليس غريبا أن تفشل القوى الحيوية في تحقيق أدنى إنجاز يذكر، بل وتنتهي إلى الدخول في مساومات مع النظام الدولي و «إسرائيل» على ما تفرضه هذه الأخيرة من شروط، أو ما تنتزعه من اعترافات ومكاسب. فالقوى الحيوية هذه كانت آنذاك تعيش حالة انكشاف أمني شامل، وأزيد من ذلك، أن ما كانت تعجز «إسرائيل» عن القيام به في مواجهة التمردات كان يتكفل به النظام النصيري في سوريا.
وحتى هذه اللحظة ما من خيار أمام «النصيرية» إلا الاحتفاظ بذات الثقافة الراديكالية فاعلة وحيوية في الخطاب السياسي، رغم كل هذا القهر والتدمير والقتل. إذ ما من مبرر أيديولوجي آخر يسمح لها بالاستمرار. والأعجب من ذلك أن الكثير من القوى العلمانية من القوميين واليساريين، فضلا عن الأقليات، ما زالوا يرددون ذات الأطروحة التي ترى النظام النصيري «سيد المقاومة والممانعة» في حين لا يرون في ثورة السوريين على أعتى صنوف الظلم والقهر إلا مجرد «مؤامرة» ! بلغت عند النظام حدود «الكونية» !!!!
والحقيقة الثابتة أيضا أنه أيا كان محتوى الخطاب السياسي لـ «النصيرية» ، وكذا المواقف الدوغمائية العمياء لبلهاء الأمة، يبقى الثابت الأكيد، واقعا وتاريخيا، أن «النصيرية» في الشام هي ذاتها «اليهودية» في بيت المقدس. فكما قهرت «اليهودية» الفلسطيني كذلك فعلت «النصيرية» بالسوريين. بل أن «المربط النصيري» في سوريا، كما نظيره «اليهودي» في بيت المقدس، عنى منذ اللحظة الأولى حرمان السوريين من أي شكل من