أشكال الحرية إلا ما تعلق بالانحلال الأخلاقي ومحاربة الدين وهو ما يوافق العقيدة «النصيرية» ذاتها. بل أن النظام في سوريا يعلم تماما أن رفع شعار «ارحل» لا ينفع مع الحالة السورية. فهو حالة مماثلة طبق الأصل لحالة «المربط اليهودي» في فلسطين. إذ ليس من المتخيل أن يتوقع الفلسطينيون أن تؤدي احتجاجاتهم إلى تفكيك «المربط اليهودي» ، أو أن يرفعوا شعار «ارحل» بوجه «إسرائيل» . لذا فمن العبث الركون، بلا إمعان في النظر، إلى الاعتقاد بأن الرئيس السوري، بشار الأسد، أجبر الثورة السورية على حمل السلاح ليثبت للعالم أنه يواجه انفلاتا إرهابيا في البلاد! وكأنه لا يدرك مكانة سوريا في النظام الدولي، وهو الذي استبق الأحداث حين سئل عن الثورات العربية واحتمال تمددها إلى سوريا قائلا: «سوريا مختلفة» . وهو في الحقيقة أراد القول بأنه والطائفة ليس لديهما خيار إلا بفرض العسكرة على الاحتجاجات الشعبية، ووصمها بالإرهاب، أملا في وأدها. فلا الرئيس ولا الطائفة ولا النظام الدولي معنيون بأية مرجعية أخلاقية من أية ردود فعل. فطوال حكم الطائفة «النصيرية» لسوريا لم يكن ثمة احتجاج دولي على سلسلة جرائم الإبادة التي ارتكبتها الطائفة والنظام في سبعينات وثمانينات القرن 20 بحق المسلمين في سوريا. وطوال السنوات الخمس الأولى من عمر الثورة السورية لم يكن ثمة حديث غربي أو شرقي، في الشأن السوري، إلا عن حماية النظام الدولي من الانهيار، حتى لو استعمل النظام الأسلحة الكيميائية ضد السكان، عشرات المرات، ومارس جرائم إبادة بشهادة
العالم أجمع (9) [1] ، ودمر البلاد على رأس من فيها.
لكن الحقيقة الثابتة أيضا؛ أنه مع انطلاقة الثورة السورية في 18/ 3/2011، بدا النظام الدولي يتعرض لأعنف هزة في تاريخه، باتت تهدد وجوده. فلأول مرة يتعرض أحد مرابط النظام الدولي للاقتلاع من الجذور، وهو ما يعني تفكك النظام الدولي أو انهياره بالكلية. بل على الأقل يعني أن الثورة السورية التي فضحت كل مخبوء في الأمة والعالم، أثبتت أن كل ما صيغ من معاهدات وقوانين ونظم ومرجعيات تحت مسمى «الشرعية الدولية» باتت عاجزة عن التعامل مع المستجدات. فلنتابع ما يقوله السناتور الأمريكي، ريتشارد بلاك، عن ولاية فرجينا على قناة «RT - 19/3/2015» (10) [2] الروسية، حول أهمية «المربط النصيري» في المنطقة، وأثره على أوروبا، الأقرب له:
«أولا؛ ثمة شيء واحد واضح هو: إذا سقطت دمشق راية الفزع السوداء والبيضاء للدولة الإسلامية سوف ترفرف فوق دمشق. وفي غضون أشهر بعد سقوط دمشق سوف تسقط مباشرة بعدها الأردن ولبنان، ومع توسع تلك المنطقة الأكثر تطرفا إسلاميا، أعتقد أنك سوف ترى تلقائيا بداية حملة وهجمة تاريخية للإسلام تجاه أوروبا، وأعتقد في نهاية المطاف أوروبا سوف تُحتَل. ولهذا السبب أنا أنظر إلى سوريا باعتبارها مركز الثقل، هذا ما كنا عادة نتحدث عنه في الكلية الحربية، عندما كنا ندرس الحرب والأهداف .. الأهداف .. هناك دائما مركز للثقل، الشيء الذي سيحدد نتيجة الحرب، فإن استطعت أن تهزم مركز الثقل
(1) في سلسلة «الثورة السورية ومسارات التدويل» للباحث، ثمة عشرات التصريحات الموثقة في حلقات: «هوية الثورة وخياراتها (8) - 25/ 7/2012» ، و «نحو الوصاية العسكرية!!! (9) - 25/ 8/2012» ، و «الاختراق (11) - 18/ 11/2012» ، و «البديل: إما إبل الثورة أو خنازير أوباما (12) - 23/ 11/2012» ، و «الكمائن» و «الهررة» (13 - 1) - 18/ 3/2013»، و «حين تستأسد «الهررة» !!! (13 - 2) - 20/ 3/2013»، و «الصراع على النظام الدولي (14/ 2 - 2) -15/ 9/2013» .
(2) «سيناتور أمريكي (مقابلة) : إذا سقطت دمشق فنهاية أوروبا لن تكون بعيدة» ، موقع قناة روسيا اليوم «RT - 19/3/2015» ، على الشبكة: http://cutt.us/tDEXz، وعلى موقع «يوتيوب» :