الصفحة 17 من 26

الإسلامي، ولم يسبق أن اجتمعت الأمة في مثل هذه الصيغة خلال العهد النبوي مثلا أو خلال عهدي الخلافة والملك العاض، أي صيغة الدول والشعوب والقوميات والأعراق والإثنيات.

الثابت الوحيد في الأمر أن الصيغة الحالية للاجتماع الإنساني برمته لم تظهر إلا في زمن «الحٌكْم الجَبْري» الذي لا نعرف عن مواصفاته أو ضوابطه الشرعية ما يكفي، لكون العلماء والمؤرخين «امتنعوا» حتى الآن عن الخوض فيه، بقدر ما خاضوا في «الخلافة» و «الملك العاض» . ومع أن الإسلام هو نظام حكم وليس دولة، سواء بموجب المواصفات الحديثة أو القديمة، إلا أن الساحة العلمية والبحثية بدت شبه خالية إلا من القوى العلمانية واليسارية، التي استغلت الفراغ، للزعم بأن الإسلام لم يحدد للأمة شكلا للحكم تجتمع عليه. فأشاعت آراءها هذه وفلسفاتها، وبررت بها الاندراج الصريح في «الحكم الجَبْري» ، والتشريع له. هؤلاء، وكثير من المسلمين، استدلوا بالحديث النبوي: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» !!، وهذا في أحسن الظنون، مع التحفظ، اجتهاد قاصر في تفسير الحديث، أما في أسوئها فهو استعمال مغرض. إذ أن الشأن العام والخاص واقعان حكما في صلب الشريعة والدين وليسا مسألة دنيوية. والاستدلال بالحديث في مثل هذه الشؤون ليس إلا إسقاطا تعسفيا في غير موضعه، فضلا عن أنه ليس ثمة خيار لأية أمة في اختيار «الحٌكْم الجَبْري» طوعا. بل وكيف للأمة أن تختار «الهيمنة» ؟ فضلا أن تبررها بشرعية دينية؟

إذا استرشدنا بالأحاديث المبشرة بالخلافة فمن المفترض أن تمر الأمة بخمسة مراحل زمنية وأربعة أنماط للحكم، هي:

1)مرحلة «النبوة» ، ومرجعيتها الوحي، وقد استمرت 23 عاما.

2)مرحلة «الخلافة الراشدة» ، ومرجعيتها الكتاب والسنة والسيرة النبوية والصحابة، وقد أغلقت على 30 عاما.

3)مرحلة «الملك العاض» أو «العضوض» ، ومرجعيتها الكتاب والسنة، وفقه الحاكم المتغلب، وحواشي السلطة، ومؤرخو العصر. وهي التي جاءت في أعقاب الفتنة وتسلم الأمويين للحكم.

4)مرحلة «الحٌكْم الجَبْري» ، ومرجعيتها الفلسفة الوضعية. وهذه انطلقت مع بدايات القرن 19 إلى يومنا هذا، لتشمل الأرض، وتٌصَبٌّ على العالم الإسلامي صبا، لاسيما العالم العربي، بوصفه مبعث الأنبياء والرسل، ومنطلق الانعطافات التاريخية وسنن التدافع في الأرض.

5)مرحلة «الخلافة على منهاج النبوة» ، ومرجعيتها الكتاب والسنة.

بمقتضى هذا «التنميط» و «التمرحل» يلزم القول بأنه إذا كانت النبوة لا تفرز إلا تصديقا وإيمانا أو تكذيبا وكفرا، فكذلك الأمر بالنسبة للخلافة، التي لا يمكن لها أن تفرز إلا نمط حياة يقوم على الاقتداء بمنهج النبوة. وينطبق هذا على الملك العاض الذي أنتج نمطا من التفكير، يشرع للحاكم المتغلب ويبرر له سيادته، وكذلك على «الحٌكْم الجَبْري» الذي يبسط سلطان الشرائع الوضعية على الأرض برمتها. وتأسيسا على ذلك فمن شبه المستحيل أن نعاين مثلا في عصر النبوة أو الخلافة أو الملك العاض عبارات من نوع «فقه الاستضعاف» أو «الطاعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت