العمياء لولي الأمر» أو «التوافق» أو «الوسطية» أو «استعادة الخلافة» أو «تطبيق الشريعة» أو «مساواة» أو «حرية» أو «عدالة» أو «ديمقراطية» أو «تسامح» أو .... وهذا يعني حُكما أن كل نمط وكل مرحلة لها مرجعياتها الشرعية، ومخرجاتها الفقهية، ومصطلحاتها التي تميزها عن الأخرى .. بل أن كل مصطلح هو نتاج مرجعيته. فلا يصح القول مثلا أن «التسامح» مصطلح ساد في عصر النبوة أو القول بأن «استعادة الخلافة» نتاج الملك العاض، أو الزعم بأن المسلمين في عصر الخلافة، مثلا، نادوا بـ «تطبيق الشريعة» .
... ويلزم الإقرار أيضا أنه لا خيار للأمة إلا المرور عبر كل المراحل، والخروج منها، دون الاعتقاد بزمن محدد، وعليه فإن تَعاقُب المراحل هي عملية دينامية، قد تكون لها مؤشراتها، لكن دون أن نمتلك يقينا في ذلك، إذ ليس لنا في الغيب أن نعلم وقت وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كي نعلم يقينا متى ستنتهي النبوة وتبدأ مرحلة الخلافة مثلا، كما أننا لا ندري متى سندخل في عصر الملك العاض أو نخرج منه، وكذا الأمر فيما يتعلق ببقية الأنماط والمراحل، فإذا كنا قد علمنا «الحٌكْم الجَبْري» ؛ فلا يلزم ذلك أن نعلم نهايته. لكن إذا كان من الواضحات القول بأننا لسنا في عصر النبوة أو الخلافة فمن المؤكد أننا لسنا أيضا في عصر الملك العاض، حيث يستحيل الحكم الشرعي في «الدولة القومية» باعتبارها الوحدة السياسية المركزية في النظام الدولي، الذي لا تقبل تشريعاته ومنظماته التابعة والمتخصصة أية دولة مرجعيتها الدين. وعلى هذا تكون الأمة في عصر «الحٌكْم الجَبْري» وهو التعبير الموازي لـ «الهيمنة» .
إذن هذه المراحل تمثل أربعة أنماط من الحكم. والأرجح أن الأمة تعيش «المرحلة الجَبْريَّة» بدء من نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1916 والتي خضع فيها العالم الإسلامي دفعة واحدة، ولأول مرة، لسيادة ملل الكفر وفلسفتها الوضعية المهيمنة التي تشكل نمط الحياة السائد في المجتمعات الإسلامية منذ قرابة المائة عام.
ولعل أبْيَن صورة عن «المربط العقدي» ، تقع في نطاق معاينته في إطار «المرحلة الجَبْريَّة» . فبما أن الإسلام، في السياسة، هو أصلا نظام حكم أكثر منه دولة، فقد حرص النظام الدولي «الجَبْري» بدايةً؛ على انتزاع سلطان الأمة ممثلا بنظام الخلافة انتزاعا بالقوة القاهرة. لكن السيطرة على المنظومة العقدية بكل مدخلاتها ومخرجاتها، كان هو الأمر الأشد خطرا وفتكا في الأمة من أي أمر آخر. ففي المراحل الثلاث الأولى، «النبوة، الخلافة، الملك العاض» ، كانت المرجعية الوحيدة السائدة هي «قَوْلُ اللَّهِ» عز وجل، بعيدا عن أية مرجعيات وضعية، مع تفاوت ما بين مرحلة وأخرى في الفهم والتطبيق والالتزام. أما في مرحلة «الحٌكْم الجَبْري» فلم يعد ثمة مرجعية شرعية، فضلا عن تحول الدين إلى مكون واحد من بين المكونات، ولم يعد أيضا أحكاما شرعية، بعد أن فقدها المسلمون منذ زمن طويل، وورثوا الدين كشعائر وطقوس. وتبعا لذلك غدا {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، في السياسة والعسكر والأمن والاقتصاد والتجارة والمال والثقافة والتربية والتعليم والعلوم والمعرفة ... أكثر حضورا من «قَوْلُ اللَّهِ» .
فقد أُخضِع الدين والأمة إخضاعا تاما لمنظومات «الهيمنة» الدولية وشرائعها الوضعية ومرجعياتها. ومن الطبيعي، في ظل «الحٌكْم الجَبْري» ، أن يتم إسقاط الشريعة ليس كمرجعية في الحكم فحسب بل وتغييبها كنمط حياة