وتفكير. وأكثر من ذلك؛ فقد جرى إشاعة وتعميم الفلسفات والمذاهب الوضعية والشرائع الدنيوية والثقافات المنحطة باعتبارها نتاج إنساني وقيما كونية.
وبدا الدين ونظم التعليم الشائعة متطابقة، مع مدخلات «الحٌكْم الجَبْري» تطابقا تاما. وغدا الاعتقاد والعبادة والتفكير والتأهيل والتعليم والثقافة والعمل والتجارة والاقتصاد وكافة أشكال التلقي، حتى في الأحلام والرؤى، خاضعة لما تفرزه ثقافة «الجَبْريَّة» ومنتجاتها العلمية والمعرفية .. تعيش وتنمو وتنتج وتشتغل وتستهلك وتصالح وتعادي وتنام وتصحو بموجب كينونتها وأدواتها ومناهجها وآلياتها المعرفية والذهنية. وتبعا لذلك صار حال الأمة كما قال عز وجل: {كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ، (الفرقان: 44) !!! أو «غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ» . فقد تلقت الأمة من الدين وحقائق التاريخ ما يوافق «الحٌكْم الجَبْري» ويشرِّع له، وتلقت من العلوم ما يبقيها تحت سلطانه، وحصلت على التكريم بما جعل من المستبد فيها حكيما، والملحد مؤمنا، والفاشي بطلا، واللبرالي مسلما، والماركسي شهيدا، والعالم الخائن والملبس جليلا، والإعلامي المرتزق مخضرما، والمجاهد إرهابيا. وبررت قوى «الهيمنة» العالمية، وبعض أدواتها، انحطاط الأخلاق والقيم بالحرية، ومظاهر الدعارة بالجرأة، وقدمت العمالة والخيانة وجهة نظر، ... وأخيرا جرمت التكفير وبرأت المجرمين عبر ما يسمى بـ «حرية الضمير» كما ورد في الدستور التونسي.
وفي مستوى الجماعات الإسلامية في زمن «الحٌكْم الجَبْري» ذاته فقد شهدنا ظهور الجماعات الإسلامية الحديثة العابرة للحدود كـ «الإخوان المسلمين» و «التبليغ والدعوة» و «حزب التحرير» . وبدت في لحظاتها الأولى عقدية النشأة، قبل أن تجرفها اجتهاداتها إلى أعماق الأيديولوجيا، لتستنزفها إلى الحد الذي لم يتبق لها من أطروحاتها إلا ما تحتاجه لتبرر به وجودها. هذا لأنها احتاجت إلى تفعيل جزء محدد في الدين يخدم ظروفا تاريخية معينة، لكنه بدا، مع الزمن، كما لو أنه الدين كله. وبدلا من أن تنتقل إلى طور عقدي يستجيب للظروف والمتغيرات، بحيث تبقى أطروحاتها تدور في فلك العقيدة، لجأت إلى التفتيش في الدين عما يدعم الأطروحة الأولى ويعززها ويحافظ على استمراريتها، حتى بعد عقود طويلة، تتطلب تفعيل المزيد من الجوانب العقدية!!! وهذا بالتأكيد فعل أيديولوجي من {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، وليس فعلا عقديا. إذ أن الإسلام لا يمكن أن يكون جامدا لا حياة فيه، مثلما أن التوحيد لا يمكن أن يقبل القسمة أو يتجزأ.
وثمة تيارات إسلامية ألحقت ضررا بليغا في الأمة والدين كـ «الصوفية» التي تجذرت ثقافةً بين الناس، وتلك التي استوطنت بلاط ولي الأمر بأي ثمن كان كـ «الجامية» و «المدخلية» ، فضلا عن الطوائف الباطنية التي، فضلا عن تحالفاتها مع ملل الكفر، دخلت في حروب طاحنة ضد المسلمين، كـ «الإمامية الاثنى عشرية» .
... مشكلة القوى الإسلامية ونخبها ورموزها، بما فيها الجهادية، أنهم، إلا من رحم الله، لا يريدون أن يدركوا أن اختياراتهم الأيديولوجية ستفضي في النهاية إلى الجمود التام، أو الدخول في مساومات تمس صميم عقيدة الولاء والبراء، وتوطئ للمزيد من الاستبداد والتبعية و «الهيمنة» ، والاستنزاف العقدي، والجهل والتضليل، واستباحة أصول الدين، والتسبب بتعريض ديار الإسلام وأهله لمزيد من الكوارث، وتشويه التاريخ الإسلامي، والتنفير من