إما إذا قصد الإقامة وباشرها، فإن سفره قد انقطع، لزوال شرط السفر عنه، وسواء كانت هذه الإقامة المقصودة إقامة محددة أم مطلقة، لأن الإطلاق أو التقييد لا يعود إلى شرط صحتها عند أول وقوعها، بل إن هذا يعود إلى استدامتها أو السفر بعدها. ولا يصح أن تكون نية السفر بعدها ملغية لنية فعلها. لما يلزم من ذلك من جعل المقيم مسافرًا مع عدم مباشرته لقصد السفر وقطع المسافة، بل إن في هذا وجودًا للمشروط قبل وجود شروطه، وهذا ممتع عقلا وشرعا.
هذا هو مقتضى النظر في نظري. والله أعلم.
لا يشترط في اعتبار المقيم مسافرًا أن ينوى بسفره الاستمرار في السفر، بل لو نوى المسافر بسفره عددًا معينًا من الأيام، فإنه يصيرًا مسافرًا، وتنقطع إقامته بذلك، وهذا محل إجماع.
ومقتضى النظر، أن تكون إقامة عدد معين من الأيام مؤثرة في قطع السفر، لأ، سفر عدد معين من الأيام مؤثر في قطع الإقامة. أما أن يقال بأن السفر لا ينقطع إلا بالاستيطان أو الإقامة المطلقة. وتنقطع الإقامة بسفر عدد معين من الأيام لا بمجرد الاستمرار في السفر، فإن هذا عدم اطراد، وهو مخالف للنظر.
جوابًا لتساؤل الشيخ عن الفرق بين مجرد نية إقامة أربعة أيام أو أكثر منها قبل فعلها، وبين إقامتها أو أكثر منها بلا نية. أقولك سبق أن بينت أن المسافر لا يكون مسافرًا إلا بشرطين وهما: قصد قطع المسافة مع مباشرة فعل ذلك. فمن نوى الإقامة فقد قطع نية سفره، أما من أقام فعلًا بلا قصد الإقامة فإن نية السفر باقية لديه، لكنه لم يواصل قطع المسافة، فظاهر الأمر أن يكون المسافر بمجرد قصد الإقامة مقيمًا، وكذا بمجرد التوقف عن قطع المسافة يكون مقيمًا أيضًا لتخلف أحد شرطي السفر في هاتين الحالتين.