هذا القياس لا يلزم الجمهور، لأنه على خلاف مذهبهم، وذلك للأمور التالية:
ليست علة قطع السفر عند الجمهور هي معرفة متى ينتهى غرضه الذي أقام من أجله، ولا عدم معرفة ذلك حتى تصح التسوية بين الإقامتين، ويصح إلغاء الفارق بينهما، لكن علة ذلك عندهم هي نية الإقامة مع مباشرة فعلها لا مجرد حدوثها بلا نية، فمن قصد إقامة أكثر من ثلاثة أيام فقد انقطع سفره، سواء عرف متى ينتهى غرضه أم لم يعرف ذلك، لأن محل قصد الإقامة هو الزمن لا الغرض الذي أقام من أجله.
أما من لم يقصد إقامة عدد من الأيام، لكونه قدم البلد، لانهاء غرض لا يعرف متى ينتهى غرضه، فهذا في الحقيقة لم ينو الإقامة، ولذا لم ينقطع سفره لأن هذه الإقامة جاءت على غير مراده وقصده بل دعى إليها الغرض الذي سافر من أجله، فلا يصح التسوية بينها وبين إقامة مقصوده، وبهذا ظهر الفرق بين الإقامتين.
ثم إن حكم الإقامة هو حكم السفر، فمجرد قطع المسافة في الصحراء لا يسمى فاعله مسافرًا، وإن كان حاملًا للزاد، لأن من شرط السفر قصد قطع المسافة.
ولذا فلا يصح للراعي والرائد والمنبت الترخص برخص السفر، وإن تساووا مع المسافر بقطع المسافة، لاختلافهم في قصد قطعها. وكذا يقال في الإقامة، فمجرد التوقف في المكان لا يسمى صاحبه مقيمًا، لأنه لم يقصدها، فتوقفه كالمشي للعري ونحوه. والله أعلم.
لا يصح هذا القياس إلا على رأي الشيخ - سلمه الله - ومن وافقه، لأنه قاس إحدى الإقامتين على الأخرى بعد إلغاء تأثير نية الإقامة في قطع السفر، وهذا الإلغاء مختلف فيه، فلا يصح أن يحتج به على من لا يقول به ، وهم الجمهور.