ثم إن مما يدل على عدم صحة هذا الإلغاء أن السفر لم ينعقد إلا بعد قطع نية الإقامة بنية السفر، فلماذا لا تكون نية الإقامة قاطعة لنية السفر أيضا، وهذا هو القياس الصحيح، ومما يشهد لصحته مدلول قوله الله تعالى: { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ } فمن لم يكن مقيمًا فهو ظاعن، ومن لم يكن ظاعنًا فهو مقيم، وليس بينهما قسم ثالث. والله أعلم.
قوله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام إقامة محددة في حجة الوداع فقصر وأقام أطول منها في غزوتي الفتح وتبوك فقصر، لأن العلة في الإقامتين واحده، وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله.
قلت: هذا لا يصح لوجود الفارق بين الإقامتين، وذلك أن الإقامة في حجة الوداع ليست من أجل انتظار إنهاء ما أقام من أجله، بل من أجل دخول وقت ما سافر من أجله، وهي أيام المناسك.
أما إقامته - صلى الله عليه وسلم - في غزوتي الفتح وتبوك، فهي كما قال الشيخ من أجل انتظار إنها ما أقام من أجله.
فلما اختلفت علة الإقامتين، فإنه لا يصح التوحيد بينهما وذلك بجعل مدلولهما واحدًا.
ولذا فإن مذهب الجمهور: أن الأصل في نظير الإقامة في حجة الوداع، أن تكون قاطعة للسفر، فلما قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها أخذ الجمهور بهذا الفعل، واقتصروا على عدد أيامه، فخصوها من أصلها، ولم يزيدوا عليها، لأن لا عموم للأفعال، وعلى هذا فإن الزيادة محكومة بأصلها، وهو أن من قصد الإقامة انقطع قصد سفره.
أما لما كانت إقامته - صلى الله عليه وسلم - من أجل انتظار إنها ما أقام من أجله، فإن الإقامة غير مقصودة لذاتها، فلم ينقطع بها قصد السفر لعدم التعارض بين قصد الإقامة مع قصد السفر.
وعلى هذا فلا يصح التوحيد بني دلالة الإقامتين. والله أعلم.
الجواب الثاني: