ولا يصح في المسائل الخلافية أن يطالب الخصم بأن لا يقول برأيه إلا إذا شهد على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أراد كذا، أو قصد كذا، لأن الخصم سيقول لك في مقابل قولك هذا، هل تشهد أنت على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يرد كذا، ولم يقصد كذا.
ولو كان الأمر كذلك لتعطلت الأحكام عن كثير من الأدلة المستنبطة من الكتاب والسنة بغلبت الظن.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد المقام بتبوك مدة معينة إنما قصد - صلى الله عليه وسلم - غزو الروم في وقت شديد الحر، مع قلة ما في أيد صحابته - صلى الله عليه وسلم - ، وقد صرح بالمكان الذي قصده، ولم يوربه، فتخلف من تخلف، وتبعه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون ألف.
فهل يصح أن نقول إنه قصد إقامة مدة معينة لعمل معين كما يرى الشيخ حفظه الله، إذ لو كان الأمر كذلك فلربما لم يتخلف أحدِ، ولكنها لحرب مع الروم، وعدم معرفة ما سيواجهه الجيش.
ومن المعلوم لدى دارسي الغزوات والحروب أن المعارك لا تحدد بوقت معين من قبل القائد قبل السفر أو حين تقابل الجيوش، كما أنه لا يعلم ماذا سيواجهه، وماذا سيحل له، وكذا الحال بالنسبة لغزوة تبوك حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسبة" (1) .
وليس هناك ما يدفع هذا الغالب من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن لا نجرؤ علىأن نشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن هذه هي حقيقة حاله، بل الأمر راجع إلى غلبة الظن، ثم إن الشيخ لم يذكر دليلًا يمكن به أن يدفع هذا الظاهر، كما أنه ليس بالإمكان أن نشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قصد إقامة مدية معينة لعلم معين.
(1) طبقات ابن سعد 2/167.