أن شرط القصر والفطر قد زال عنهم بمجرد قصدهم الإقامة، لأن السفر هو السفور من أجل قطع المسافة، وهؤلاء قطعوا هذا بالإقامة المقصودة، ولذا توقفوا عن الضرب في الأرض، فكيف يصرح قصرهم مع زوال شرطه عنهم؟
إنهم سافروا من بلادهم لقصد الإقامة في بلاد الغربة، فلم تكن حالهم كحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما سافر إلى مكة عام الفتح وإلى تبوك لا ليقيم، ولكن ليجاهد، وقد يكون الجهاد بالإقامة أو بغيرها، فلم تكن إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرادة من قبل، ولا محددة البداية، والنهاية، بل ولم ينشئ السفر من أجلها، بخلاف إقامة هؤلاء فإنها مرادة ومحددة بداية ونهاية، وأنشأوا السفر من أجلها، فكيف يصح الاستدلال بحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الحال مع الاختلاف الكبير بين الإقامتين؟
سماهم الشيخ غرباءن وهذه تسمية صحيحة، لأن الغريب عند العرب: من بعد عن وطنه كما في اللسان، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتغريب الزاني سنة (1) أي يجب إبعاده عن وطنه هذه المدة.
فهم بهذا الاسم قد خرجوا عن مسمى السفر، حيث صاروا مقيمين بين غيرهم، ولذا سموا غرباء.
فلما ثبت الفرق بينهم، وبين المسافرين، قلنا بوجوب الصيام والإتمام عليهم، لأن مناط الرخصة في ذلك السفر لا الغربة. ولا الإقامة. والله أعلم.
قوله: وبهذا يتبين لك الفرق بين أصحاب هذه الحال، والحال الأولى لأن أصحاب هذه الحال لم ينووا الإقامة إلا لهذا الغرض، أما أصحاب الحال الأولى فقد نوا الإقامة المطلقة إلا أن يحصل لهم ما يقتضي الخروج، والفرق بين من يريد الإقامة إلا أن يحصل لهما يقتضي الخروج، وبين من يريد الخروج لولا ما يقتضي الإقامة ظاهر لمن تأمله.
(1) لسان العرب مادة: غرب 1/639.