صدرا [1] .
ومن هنا يُعلم أن من علل عدم كون التحاكم إلى الطاغوت كفرًا حال غياب سلطان الشرع بكراهة من اضطر إلى التحاكم إليهم لهم، وتكفيرهِ إياهم، وعدمِ إعراضه عن أحكام الله ورسوله، فلم يأت بشيء! إذ ليس اطمئنان القلب بالإيمان عاذرًا لمن تلبس بالكفر إلا للمكره، والمضطر فمن دونه ليس يُغني عنهم دعواهم اطمئنان قلوبهم شيئًا، بل كل من قارف الكفر من غير إكراه فهو بحكم الله عليه قد شرح بالكفر صدرًا، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [المائدة] .
وممن حكى الإجماع:
-الإمام ابن حزم، قال رحمه الله: ( {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أخرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافرًا إلى رخصة الله تعالى، والثبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر لا قارئًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر، وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر أنه كافر [2] .
-وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الأمر ولا الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، بل من تكلم بها فهو كافر إلا أن يكون مكرهًا فيتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان [3] .
-وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان [4] .
ومن خلال هذه المقدمات يتبين أن التحاكم إلى الطواغيت الحاكمة بغير الشريعة عمل مكفرٌ في ذاته، إذ الله قد أمرنا بالكفر بالطاغوت، والحاكم بغير الشرع طاغوت من الطواغيت التي أوجب الله على عباده الكفر بها، والتحاكم إلى الطواغيت مضادٌ للكفر بها، فهو كفر.
قال العلامة البقاعي رحمه الله عند قول الله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} : ( {وَقَدْ} أي والحال أنهم قد {أُمِرُوا} ممن له الأمر {أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين
(1) مجموع الفتاوى (7/ 220) .
(2) الفصل (3/ 116 - 117) .
(3) الفتاوى الكبرى (6/ 86) .
(4) إعلام الموقعين (3/ 141) .