وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) } [الزمر] .
وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء:60] .
فقد أوضحت هذه الآيات الثلاث أن التحاكم عبادة، وأنه صرفه للطواغيت صرفٌ لما استحقه الله وحده من العبادة، فكان كفرًا، ففي آية النحل بيَّن سبحانه أن أساس بعثة المرسلين هو الأمر بعبادة الله واجتناب الطاغوت، وبيَّن في آية الزمر أن الاجتناب الذي أمر به هو اجتناب عبادته {أَنْ يَعْبُدُوهَا} وهو بدل اشتمالٍ من الاجتناب، وفي آية النساء زيَّف الحق إيمان من أراد التحاكم إلى الطاغوت مع كونه قد أُمِر بالكفر به، فأعلَمَ بهذا أن التحاكم إلى الطاغوت منافٍ لاجتنابه، وما نافى الاجتناب المفروض فهو عبادة للطاغوت إذ كان ما فُرِض من الاجتناب هو ذلك، وإذ ذلك كذلك فقد صحّ أن التحاكم إلى الطاغوت عبادة، والعبادة لا تصرف إلا لله.
فتأمل هذا الموضع يستبن لك فساد قول من ينازع فيه، والله الموفق.
المقدمة الرابعة:
أن الكفر لا يجوز إلا لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، إجماعًا.
قال الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) } [النحل] .
فحكم ربنا سبحانه وتعالى حكمًا واضحًا بيِّنًا أن كل واقع في الكفر فهو كافر وعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، وعمم سبحانه وتعالى هذا الحكم بـ (مَن) وهي من صيغ العموم، ولم يستثن من حكمه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ووصف من سوى المستثنى بأنه قد شرح بالكفر صدرا، فعُلِم أن ما سوى صورة الاستثناء فهو من صور شرح الصدر بالكفر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر