الصفحة 22 من 47

الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) [آل عمران: 155] .

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله عند قول الله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) } [البقرة] :

(يعني بقوله جل ثناؤه {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} : ثم أعرضتم، وإنما هو(تفعلتم) من قولهم: ولاني فلان دبره، إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره، ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها، ومعرض بوجهه [1] .

والتولي في آيات النور من قبيل الضرب الأول بحكم الله، وإذا تأملت في الفعل الذي سماه الله توليًا في صنيع من أكفرهم وجدته على ضربين، كلاهما تولٍ مكفر:

الأول: الإعراض عن حكم الله، وهذا تولٍ مكفر بلا نزاع، كما جاء في قوله جل وعلا: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) } [النور] ، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) } [النساء] ، وقوله سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء] ، فهذا مناطٌ مستقل بالتكفير.

الثاني: نفس فعل التحاكم إلى الطاغوت، فإنه تولٍ مكفر، كما جاء في قوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60] ، وقد سيقت هذا الآية مساق التعجيب والإنكار على من أراد التحاكم إلى الطاغوت مع زعمه أنه مؤمن بالله ورسوله، قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء:60] ، أي كيف يصح زعمهم الإيمان والطاعة والانقياد وهم تولوا عنه بإرادتهم أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وكيف تستقيم دعواهم بعد أن تولوا عن الإيمان والطاعة والانقياد بترك ائتمارهم بأمر الله إذ أمَرهم بالكفر بالطاغوت، فالتحاكم إلى الطاغوت تولٍ مكفر، إذ كان في مجرد التحاكم إليه تركًا للائتمار بالأمر بالكفر به، وترك الائتمار بالأمر بالكفر به تولٍ عن الطاعة، ولا يكون هذا التولي إلا كفرًا، إذ كان عدم الكفر به نقضًا لأحد ركني الإسلام، وهذا مناط مستقل بالتكفير.

فليس تحقق المناط الأول متلازمًا مع تحقق الثاني، ولا هو شرطٌ فيه، ولا الثاني مشروط بالأول من حيث الوجودِ والدعاءِ، وإن كان هو لازِمُهُ من حيث الأمر.

(1) جامع البيان (2/ 162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت