الصفحة 23 من 47

فالمعرض عن حكم الله كافر بمجرد الإعراض سواء تحاكم إلى الطاغوت أم لم يتحاكم، فليس إعراضه ملزومُ تحاكمه إلى الطاغوت، والمتحاكم إلى الطاغوت كافر بتحاكمه إليه، سواء دُعي إلى حكم الله أم لم يُدع، وسواء وُجِد من يُلزِم بشرع الله أم لم يوجد، وليس تحاكمه ملزومُ الإعراض والتولي عن حكم الله من جهة وجود حكم الله و غيابه، أو دعائه من عدمه، وهو ملزومُهُ من جهة الأمر بالكفر بالطاغوت، فتحاكمه إلى الطاغوت ملزومُ توليه وإعراضه من هذه الجهة لا من تلك.

فصحّ بهذا أن ذلك الإعراض بمجرده تولٍ مكفر، وأن الاحتكام بمجرده تولٍ مكفر، وأن ذلك مناط وهذا مناط، ومن جعل أحدهما شرطًا للآخر دون العكس كان متحكمًا، ولزمه طرد شرطه في العكس، أو طرد عدم الاشتراط!

وقد علَّق الله إكفاره في أول الآيات بمطلق التولي ولم يقيده بقيد، فشمل نوعيه، إذ قال: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) } [النور] ، كما جمع بينهما في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) .. الآيات} [النساء] .

فتأمل كيف أكذبهم في زعمهم الإيمان بمجرد الإرادة {يُرِيدُونَ} ، ثم حكى زيادتهم في الكفر وإيغالهم فيه بعد كفرهم بتلك الإرادة أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله صدوا وتولوا وأعرضوا.

فبان بهذا أن ليس ثمة متعلق في الآيات للمجيز، بل هي دليل لمن قال بأن الاحتكام إلى الطاغوت كفر في كل حال، فاضمم ما تمهد في هذا الوجه مع ما سبق ذكره في المقدمة الثالثة ينجلي لك الحق بإذن الله، وهو الموفِّق [1] .

الوجه الرابع: قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} لا يدل على نفي الكفر عن المحتكم إلى الطاغوت عند غياب حكم الله إلا من جهة مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة معارضٌ بالمنطوقات الصريحة الصحيحة المذكورة في المقدمة الأولى، والمنطوق أقوى وأرجح من المفهوم، فإن تُعُقِّب بصحة تخصيص العموم بمفهوم المخالفة ففيه الأوجه الثلاثة الآتية.

الوجه الخامس: أن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} ممنوع الاعتبار! إذ شرط اعتباره أن يكون المنطوق مُخصَّصًا بالذكر لاختصاصه بالحكم، وتَحَقُّقُهُ إنما يكون بعدم ظهورِ فائدةٍ لتخصيصِ المنطوقِ غير نفيِ الحكم عن المسكوت عنه، وليس الأمر كذلك في هذه الآية،

(1) وما تقرر في هذا الوجه يمكن تقريره بمسلك آخر، وقد أثبتُّ أحدهما اكتفاء به عن الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت