فهرس الكتاب
وتقرير ذلك من وجهين:
الوجه السادس: أن أهل العلم قد شرطوا للعمل بمفهوم المخالفة شروطًا عديدة، أوصلها بعضهم إلى اثني عشر شرطًا، ومن هذه الشروط ما يرجع إلى المسكوت عنه، ومنها ما يرجع إلى المنطوق، ومما ذكروه في الثاني:
أن لا يكون المنطوق واردًا لبيان الحكم في حادثة اقتضت البيان، فإذا ورد المنطوق على الصورة الواقعة لاقتضائها البيان لم يكن سكوت الشارع عن المسكوت تخصيصًا للمنطوق بالحكم، فيسقط الاعتبار والحالة هذه بمفهوم المخالفة.
مثال ذلك: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ، فمنطوق الآية النهي عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة، ومفهومها عدم النهي عن أكل الربا إذا كان قليلًا ولم يكن أضعافًا مضاعفة، وهو معارض لعموم قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، فهل نهدر المفهوم إعمالًا للعموم أم نهدر الثاني إعمالًا للأول؟!
والقائلون من أهل العلم بتخصيص العموم بالمفهوم يُسقطون اعتبار المفهوم في هذا الموضع لانعدام شرط إعماله، إذ الآية واردة على صورة الحال التي كان يعتادها أهل الجاهلية في المداينة، فقد كان من شأنهم الإرباء على الدين عند عدم وفاء المديون في الأجل، وكلما زاد الأجل زادوا على المديون في الدَيْن حتى يكون أضعافًا مضاعفة.
فلمّا كان نهي الشارع عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة واردًا لذلك، فليس المنطوق مُختصًا بالحكم لكونه خُصَّ بالذِكْر، وليس المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق في الحكم لذلك، إذ قد علمنا فائدة تخصيص المذكور بالحكم، فسقط مفهوم المخالفة للذي قد علمنا.
قال العلامة أبو السعود العمادي رحمه الله: ( {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} : ليس لتقييد النهي به، بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة، توبيخًا لهم بذلك، إذ كان الرجل يُرْبي إلى أجل، فإذا حل قال للمدين زدني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ، وهكذا عند محل كل أجل، فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية [1] .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} ليس لتقييد النهي، لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يُرْبون إلى أجل، فإذا حل
(1) إرشاد العقل السليم (2/ 84) .