فهرس الكتاب
مُعْرِضُونَ .. الآيات لا عبرة به، إذ قد ورد منطوق الآيات على واقعةٍ اقتضت البيان، فلم يكن تخصيص المذكور بالحكم نافيًا له عن المسكوت، إذ شرط اختصاص المذكور بالحكم دون المسكوت: عدمُ ظهورِ فائدةٍ لتخصيص المنطوقِ بالذِكْرِ سوى نفيِ الحكمِ عن المسكوت، وقد ظهرت فائدة تخصيص المنطوق بالحكم في الاقتضاء، فلم يكن إذ ذاك في السكوت عن المسكوت دلالة خُلْفٍ عن حكم المنطوق، وانخرم لذلك شرط العمل بمفهوم المخالفة في الآيات، فتأمله.
ويتفرع عن هذا الوجه وجوهٌ أُخَر يأتي ذكرها بعد الوجه التالي.
الوجه السابع: أن من شروط إعمال مفهوم المخالفة التي نص عليها أهل العلم: أن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق ولا مساويًا له، فإن ظهر للمسكوت أولوية في الحكم أو مساواة فهو مفهوم وِفاقٍ لا خُلْف.
وقد تقدم أن صورة نزول الآيات في قوم أظهروا الإيمان والطاعة، ثم تولوا وأعرضوا عن حكم الله بعد أن دُعوا إليه، فهذا منطوق الآيات.
ومن صور المسكوت عنه في الآيات: التولي والإعراض عن حكم الله إن لم يسبقه دعاءٌ إليه.
والمجيز يُلحق هذه الصورة المسكوت عنها بالصورة المنطوقِ حكمها، ويُنيطُ التكفير بوجود حكم الله، فينتظمُ ما أناط به التكفير: صورةَ النطق، وصورةً من صور المسكوت، مع أن صورة النطق أشد كفرًا من الصورة التي يُكفِّرُ بها من صور المسكوت، فليس من أعرض وتولى عن حكم الله بعد أن دُعيَ إليه كمن تولى وأعرض من غير دعاء، وإن كان هذا وذاك كافرَين، إلا أن الأول أكفر من الثاني.
والمقصود أن المجيز أدخل صورة من صور المسكوت في حكم المنطوق مع عدم أولوية المسكوت بالحكم على المنطوق ولا استوائه به، فأبطلَ بهذا عملَ مفهوم المخالفة في الآيات، فكيف جاز له بعد ذلك الاحتجاج بمفهوم المخالفة في بقية صَوَرِ المسكوت وهو قد أسلَفَ إهداره؟!!
الوجه الثامن -وهو فرع عن السادس-: أن كون التحاكم إلى الطواغيت لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله كفرًا ككون الربا القليل محرمًا أو أولى، وكل ما كان جوابًا على استدلال مُبيح الربا القليل بمفهوم الآية، فهو جواب على من يبيح التحاكم إلى الطواغيت عند غياب حكم الله بمفهوم الآيات.
فإن أُجيبَ مبيح الربا القليل بقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، أو بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا