فهرس الكتاب
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) [البقرة] ، فدلالة الآيتين على تحريم الربا القليل كدلالة قول الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ .. (256) } [البقرة] ، وقوله تعالى {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (60) } [النساء] ، وما في معناهما على تحريم الاحتكام إلى الطواغيت لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله، فطريق الاستدلال على حظر الأولى كطريقه على الثانية، وهو العموم، فإذا جاز تخصيص الثاني بمفهومٍ ورد منطوقُهُ على صورة حال، فكذلك يجوز تخصيص الأول بمفهومٍ مثله ولا فرق، ومن حَظَلَ في إحدى المسألتين وأجاز في الأخرى فقد عرَّف بفساد أصله، واقتفائه لهواه، أو جهله واضطرابه.
وإن أُجيبَ مبيح الربا القليل بكون قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] إنما ورد على صورة حال، فلا مفهوم له، فكذلك يُجاب مبيح الاحتكام إلى الطواغيت لاسترداد الحقوق بكون قول الله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) .. الآيات} إنما ورد على صورة حال، فلا مفهوم له كذلك.
وإن أُجيبَ مُبيح الربا القليل بالإجماع على تحريم الربا، فكذلك يجاب مبيح الاحتكام إلى الطاغوت لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله بما تقدم ذكره في المقدمات الثلاث.
وبالجملة فإن الإلزام باطراد القول في المسألتين لا مهرب منه، ومن أجاز الاحتكام إلى الطاغوت عند غياب حكم الله استدلالًا بمفهوم آيات النور، فالشنعة عليه قائمة بإهداره لمفهوم آية سورة آل عمران في إباحة الربا القليل.
وهكذا يشنع عليه بكل مسألة ورد فيها عموم من الشارع، ثم ورد التنصيص على فرد من أفراد ذلك العموم بحكم يوافقه، مع ظهور فائدة لتخصيص ذلك الفرد بالذكر غير تخصيصه بالحكم.
فكما ترى يمكن على غرار هذا الوجه ذكر ما لا يُحصى من الأوجه، ويكفي هذا الوجه في التنبيه على ما هو من جنسه.
ويزيد هذا الوجه تقريرًا:
الوجه التاسع: أن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ، لا دلالة فيه على كونه واردًا على صورة حال لا بمنطوق ولا بمفهوم، وإنما استفاده أهل العلم مما علموه من حال العرب الذين عاصروا التنزيل، فإهدار مفهوم المخالفة في الآية إنما تحصل من هذا الطريق.