الصفحة 28 من 47

بخلاف قول الله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) .. الآيات} ، فإن كونه واردًا على صورة حال مستفاد من منطوق الآيات.

فإذا أُهدِرَ مفهوم المخالفة في الآية الأولى مع كون سبب الإهدار إنما استُفيد من العلم بحال العرب إذ تنزل عليهم القرآن، فإهدار مفهوم المخالفة في الآيات الثانية الذي استُفيد من منطوق الآيات متحتمٌ بطريق الأَوْلى والأحرى، فإلزام من اعتبر دليل الخطاب في الثانية باعتباره في الأولى متوجه بطريق الأولوية!

الوجه العاشر: أن الدعاء إلى حكم الله قد يرد على معنى الاحتكام إلى من بسط الله يده بالشرع، وقد يرد على معنى طلب الخصم إلى الانقياد لأمر الله، والنزول تحت حكمه فيما تنازعوا فيه، والنَصَفَةِ لخصمه من نفسه، والأول هو المعنى الذي وردت فيه الآيات، والثاني يتحقق عند فقْدِ الحاكم المنفذ لحدود الله، ولا يُتصور عدمه إلا في آخر الزمان، إذ يُسرى على كتاب الله، ويُرفع كما أُنزل.

وعليه .. فلو خلت الأرض من حاكم يلزم الناس بأحكام الله، وتنازع مسلمان في قضية مما عُلِم فيه حكم الله، ودعا أحدهما الآخر إلى امتثال حكم الله، وتحكيم كلامه فيما شجر بينهم، أو تحكيم من يحكم فيهم بشرع الله من أهل العلم، فأعرض المدعوُّ وتولى، فيلزم المجيز أن لا يكفره، إذ كان وجود حكم الله عنده على المعنى الأول لا الثاني، فإن لم يلتزمه نقض شرطه في الوجود بمعناه، وإن التزمه فقد كُفيناه!

وبهذا الوجه ينتقض على المجيز إن التزمه ما علَّق به التكفير في التحاكم، فإن ما عُلِّق عليه التكفير إذًا ليس هو وجود حكم الله، بل هو صفة الإلزام بالحكم، والإلزام يستلزم الوجود، ولا يستلزمه الوجود!

الوجه الحادي عشر: يقال للمجيز: هل التحاكم إلى الطاغوت عمل كفري في ذاته؟

وليس له إلا أحد ثلاثة أجوبة:

الأول: إما نفي كونه كفرًا.

الثاني: وإما أن يقول: هو في ذاته كفر.

الثالث: وإما أن يقول: هو عمل كفري إن وُجِدَ حكم الله، وليس بكفري عند غيابِه.

فالأول لا يقول به مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت