الصفحة 31 من 47

الصورتين خرط القتاد! وقصاراه بعد الجهد أن يوجد افتراقًا أغلبيًا لا كليًا بين حال الفاعلين في الصورتين، فالمؤدى هوَ هوَ!

والحق أن الفعل الذي جعله الشارع إيمانًا فهو في حقيقته إيمان، وما جعله كفرًا فهو كذلك في حقيقته، وأن حقيقة هذا تفارق حقيقة ذاك كما تفارق حقيقة الماء حقيقة النار، وإذا كانت الحقائق متباينة فخواصها التي بها تُتحصَّل وتُعرَف وتُميَّز وتُحَد مختلفة كذلك متباينة، وإلا لم يكن ثمَّة فرقٌ بين كفر وإيمان، ولا قرٍّ وحر، ولا ليل ونهار، ولا لذة وألم، وإذ ذاك فاستحالة حقيقةٍ ما لا يمكن إلا باستحالة خواصها وأوصافها التي كان بها الميْز لتلك الحقيقة عن غيرها، وما لم يكن ذلك فالزعم بالاستحالة ضرب من السفسطة!

وعسى أن يكون ما قيل في هذين الوجهين على هذا المنزع كافيًا.

الوجه الثالث عشر: ويقال للمردود عليه: إذا كان التحاكم إلى الطاغوت لاستخلاص الحقوق عند غياب حكم الله مباحًا، فإن قُدِّرَ وجود قاضٍ يحكم بالشريعة، وجار وعدل عن حكم الله في قضية معينة، فتحصَّل من جَوْرِهِ في تلك القضية انتزاعُ حقٍ لمعيَّن، ولم يتمكن ذلك المعيَّنُ من استرداد حقه إلا بالتحاكم إلى طاغوت، فليزمك أن تبيح له الاحتكام إلى الطاغوت لاستخلاص حقه، لأنه مضطر فيباح له الاحتكام إلى الطاغوت كما أبيح للمضطر عند غياب حكم الله ولا فرق!

فإن أجزت هذه الصورة فقد نقضت زعمك في اختصاص الكفر في التحاكم إلى الطاغوت بحالة وجود حكم الله!! وإن منعتَ وكفّرتَ المتحاكم إلى الطاغوت في هذه الصورة فقد أثبتّ تناقضك واضطرابك، إذ فرَّقتَ بين نظيرين لمجرد افتراقهما في وصفٍ طردي!!

وقريب من هذا الوجه:

الوجه الرابع عشر: ويقال له أيضًا: وإذا كان التحاكم إلى الطاغوت لاستخلاص الحقوق عند غياب حكم الله مباحًا، فإن قُدِّرَ وجود قاضٍ يحكم بالشريعة، وأخطأ حكم الله في قضية معينة، فتحصَّل من حكمه أخذُ مالٍ أو حقٍ لمعيَّن، كما لو كان مقلدًا لمتبوع من الأئمة فيما خالف فيه نص الكتاب أو السنة أو إجماعًا، أو اجتهد فوقع حكمه على خلافها، فإنَّ حكم الحاكم يُنقض بالاتفاق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الحاكم متى خالف نصًا أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت