ومن هنا نَلِجُ إلى بيان التفريق الصحيح لمسائل الدين، وبيان الضابط الذي يصح المَيز به بين مسائل الأصول ومسائل الفروع، ويصح باعتماده تفرقة الجزئيات والشُعب وإدخالها في زُمر تجمع المسائل مع أشباهها، ليطَّرِد على كل زمرة قاعدة وقانون صحيح في التكفير.
على أن الأَولى هو ترك الاصطلاح بمسائل أصول ومسائل فروع لما فيهما من اشتراك وإيهام، والاعتياظ في الاصطلاح بنفس الضابط الذي يصح به الفرقان بين مسائل الأصول ومسائل الفروع.
ومن تتبع كلام أهل العلم يجد المناط الصحيح للتفرقة هو الظهور والخفاء، فللمسائل الظاهرة أحكام تباين به المسائل الخفية، والظهور ينتظم المسائل المصطلح عليها بأصول الدين وينتظم المسائل المصطلح عليها بالفروع، وكذلك الخفاء، والمراد بالمسائل الظاهرة ما كان معلومًا من الدين بالضرورة، وهي قسمان:
الأول: ما لا يمكن اجتماعه مع حقيقة الإسلام، فهو مضاد له من كل وجه، ووجوده ينقض عقد الالتزام -لا إله إلا الله-، وقبحه معلوم قبل الشرع، وهو مما توافقت عليه دعوة الأنبياء، فلا يرد عليه النسخ بحال، كإنكار وجود الله، وإنكار أصل قدرته، وكالشرك بالله، وكسبِّ الله، ونحو ذلك.
الثاني: ما كان علمه متوقفًا على بلوغ الشرع، لكنه من أحكام الإسلام المعلومة بالضرورة لمن كان في حواضر الإسلام، كوجوب أركان الإسلام الخمس، وكتحريم الخمر والزنا والربا ونحو ذلك، وهذان القسمان هما مما يصح الاصطلاح عليهما بمسائل أصول الدين، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام وغيره.
فمن وقع في شيء من مكفرات القسم الأول فهو كافر قبل الحجة وبعدها، إلا أن كفر التعذيب -العقاب- لا يلحقه إلا بعد إقامة الحجة إن كان في مظنة عدم بلوغها، كالناشئ بالبوادي، أو في دار كفر، أوحديث العهد بالإسلام، أو كان في زمان يشبه أزمنة الفترات، أو مكان يُتصور فيه ذلك.
وأما من وقع في شيء من مكفرات القسم الثاني بمعنى أنه أنكر وجوب شيءٍ من الواجبات المتواترة الظاهرة، أو أنكر تحريم شيءٍ من المحرمات الظاهرة المتواترة، فلا يكفر قبل الحجة إن كان في مظنة جهلٍ كما سبق، لكن لو ادعى الجهل وهو في حواضر الإسلام فلا يقبل منه ويكون كافرًا.
وأما المسائل الخفية: فهي ما لم يكن علمها ضروريًا من دين المسلمين، بل هي مما يقع فيها الاشتباه لدقتها أو غموضها وخفاء مأخذها، والعلم بها إنما يكون بالشرع، كإنكار سعة قدرة الله كما في حديث الرجل الذي أوصى أهله بإحراقه على الصحيح من أقوال أهل العلم، وكإنكار الصفات لتوهم استلزام الإثبات