الصفحة 90 من 146

رميه الناسَ بما هو من صفاتِه، وحَطُّهُ عليهم بما هو من سيئاته! فيعيب منهم ما هو والغٌ فيه! بل لا تكاد تجد من يعيب في المُعابِ يدانيه، فضلًا عن أن يوازيه!!

ورحم الله القائل:

عجبت لمن يبكي على موت غيره ‍ ... دموعًا ولا يبكي على موته دما!!

وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره ‍ ... عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى!!

وهذه الصفة إحدى صفات اليهود التي وصفهم الله تعالى بها ووبخهم عليها، فقال سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة] .

قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم فتنتبهوا من رقدتكم؟! وتتبصروا من عمايتكم؟! وهذا كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيَّرهم الله عز وجل، وكذلك قال السدي) .

وقال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت، أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه والآيات التي تقرؤونها من التوراة ..

قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} استفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم، وهو أشد من الأول وأشد، وأشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولًا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس، إيهامًا للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت