والخصلة الفظيعة على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم وملازمة لتلاوته، وهم في ذلك كما قال المعري:
وإنما حمل التوراة قارئها ... كسب الفوائد لا حب التلاوات
ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدراسة لكُتبِ الله، لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلًا بينكم وبين ذلك! ذائدًا لكم عنه! زاجرًا لكم منه! فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟!! [1] ا. هـ باختصار يسير.
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف] .
قال السعدي رحمه الله: (أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه؟!! وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به؟!! فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟! أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟! ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه [2] .
وقال سبحانه حاكيًا قول شعيب لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } [هود] .
قال الطبري رحمه الله: ( {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه) .
ثم روى بإسناده عن قتادة: ( {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتيه [3] .
وفي الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور
(1) فتح القدير (1/ 92) .
(2) تيسير الكريم الرحمن (ص 858) .
(3) جامع البيان (15/ 453) .