التشبع بما لم يعطى، والتكثر بما لا يقوم به ولا يبلغه من عظيم الدعوى، وهذه الكبيرة من شر ما يقوم في المرء من الخصال، لأنها ذات شرّيْن، شر على صاحبها وشر على الناس! والحامل على صفة السوء هذه إما الجهل المركب وإما الكذب، وقد يجتمع في صاحبها نصيب من هذا وهذا.
قال الله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) } [آل عمران] .
وقد صح في سبب نزول الآية أكثر من قول ولا تعارض بينها، وأذكر هنا أحدها، وهو ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رجالًا من المنافقين، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} ) .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وقوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا [1] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وعمومها-أي الآية- يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه [2] .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: (والظاهر شمولها -أي الآية- لكل من حصل منه ما تضمنته، عملًا بعموم اللفظ، وهو المعتبر دون خصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا تحسبنه بمفازة من العذاب [3] .
وكذلك قال جمع من أهل العلم لا أطيل بذكر أقوالهم.
(1) تفسير ابن كثير (2/ 181) .
(2) فتح الباري (8/ 233) .
(3) فتح القدير (1/ 468) .