قال العلامة السعدي رحمه الله: ( {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي.
{وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه.
{فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه وسيصيرون إليه، ولهذا قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [1] .
وفي الصحيحين وغيرهما واللفظ للبخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن امرأة قالت: (يا رسول الله إن لي ضَرَّةً فهل علي جناح إن تشبَّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) ).
قال الزمخشري رحمه الله: (المتشبع على معنيين:
أحدهما: المتكلف إسرافًا في الأكل وزيادة على الشبع حتى يمتلئ ويتضلع، والثاني: المتشبه بالشبعان وليس به، وبهذا المعنى الثاني استعير للمتحلي بفضيلة لم تُرْزق وليس من أهلها [2] .
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم رحمه الله: (المتشبع بما لا يملك: يعني المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل [3] .
وقوله عليه الصلاة والسلام: (كلابس ثوبي زور) ، يحتمل أن يراد بالثوب معناه الحقيقي، ويحتمل أن يكون كناية عن حال صاحبه ونفسه، فإذا كان المراد بالثوبين حقيقتهما ففيه خمسة معاني:
الأول: أنه من يلبس ثياب الزهاد والعباد أو العلماء أو نحوهم، ويتمظهر بما يوهم الناس كونه من زمرتهم وفي عِدادهم، وهو في حقيقة حاله ليس منهم ولا يبلغ مراتبهم، قال أبو عبيد رحمه الله: (وأما قوله:(( كلابس ثوبي زور ) )فإنه عندنا الرجل يلبس الثياب تشبه ثياب أهل الزهد في الدنيا، يريد بذلك الناس، ويُظهر من التخشع والتقشف أكثر مما في قلبه منه، فهذه ثياب الزور والرياء [4] .
(1) تيسير الكريم الرحمن (ص 160) .
(2) الفائق في غريب الحديث والأثر (2/ 216 - 217) .
(3) غريب الحديث (2/ 253) .
(4) السابق (2/ 253) .