الصفحة 78 من 146

ازدراء الناس واحتقارهم، وغمطهم واستنقاصهم، بلا تفرقة بين كبير ولا صغير، ولا عالم ولا متعلم، ولا صاحب فضل وخيرٍ ممن هو دونه، فلا يكاد يسلم من استنقاصه أحد، وقد تقدمت إشارة إلى هذا في الصفة الأولى، إلا أن هذه الصفة حقيقة بالإفراد والذِكر، لأنها إذا جامعت العُجْب فثمّ الكِبْر بلا مرية، وويلٌ ثم ويل لمن لقي الله بهذه الكبيرة المقيته.

قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: (الحامل على التكبر هو اعتقاد كمال تميزه على الغير، بعلم، أو عمل، أو نسب، أو مال، أو جمال، أو جاه، أو قوة، أو كثرة أتباع، فالتكبر أسرع إلى العلماء الذين لم يمنحوا نور التوفيق منه إلى غيرهم، لأن الواحد منهم يرى غيره بالنسبة إليه كالبهيمة فيقصر في حقوقه التي طلبها الشارع منه كالسلام، والعيادة، والبشر، ويطلب منه أن لا يخل بشيء من حقوقه لمحبته الترفع عليه، وفاعل ذلك أجهل الجاهلين لأنه جهل مقدار نفسه وربه، وخطر الخاتمة، وعَكَسَ الموضوع، إذ من شأن العلم أن يوجب مزيد الخوف والتواضع لعظم حجة الله عليه بالعلم، وتقصيره في شكر نعمته، لكن سبب ذلك أن علمه إما يرجع إلى الدنيا، أو لأنه لم يخلص النية فيه فخاض فيه على غير وجهه فأنتج له تلك القبائح [1] .

وقد توعد الله المتكبرين بالعذاب، وجعل النار لهم مثوىً ومستقرًا يوم الحساب، في الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها ... ) الحديث.

وجاء في كلام الله تعالى وصف أهل النار بالكِبر في مواضع عديدة، منها قوله عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) } [الأنعام] .

(1) الزواجر (1/ 119) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت