فهرس الكتاب
ولا ينهى عن فعل تمحضت مصلحته، انجلى لك فهم هذا الباب، فمن الأفعال ما يتنازعها الصلاح والفساد ويطغى أحدهما على الآخر في وقت دون آخر، إما لظرف الزمان، أو المكان، أو لمعنى من المعاني في أمة لا يكون في غيرها، أو غير ذلك، فالشارع الحكيم نوع شرائع الأمم بحسب حكمته، وجعل لكل أمة ما يصلحها، فحرَّم على بعض الأمم ما أحله لغيرها، فكان ما حرمه من الشرائع على بعض الأمم قبيحًا بالنسبة لهم وإن كان لغيرهم حلالًا صالحًا، فالقبح والحُسن من هذا الوجه هو باقتضاء الفعل للمصلحة أو المفسدة، فتوارد الأمر والنهي عليه بحسب أرجحية أحدهما بحسب علمه سبحانه، لا أنه قبيح في ذاته، فتأمل.
وكل ذوي العقول والفِطَر السليمة، الذين لم تجتلهم الشياطين عن دينهم، يدركون بعقولهم وفطرهم أن الشرك بذاته قبيح، بل هو أقبح القبائح، وقد أقام الله على قبحه عظيم الدلائل قبل ورود الشرع، فورود الشرع عليه بعد هذا لا يكون إلا بالتحريم والوعيد في كل حال، ولا يمكن أن يُبيحه أو يأمر به في وقت دون وقت أو حال دون حال، لأنه مُنَزّه مُبرّأ عن النقائص والقبائح في ذاته وصفاته وأوقواله وأفعاله، فكون ما ثبتَ أمرُ الشارعِ به في حالٍ شركًا من أمحل المحال، ويزيد هذا التقرير توضيحًا:
الوجه الثاني:
أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم دينهم واحد، لا اختلاف بينهم فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما واللفظ للبخاري: (الأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) ، وإخوة العلات هم من تعددت أمهاتهم وكانوا من أبٍ واحد، والمراد أن أصل الدين الذي بُعثوا به واحد، كما قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] ، وقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ