الصفحة 125 من 146

ووافقهم المعتزلة على أنه لا يفعل الظلم إجمالًا، وخالفوهم في قدرته عليه وجعلوا فعل الصلاح عليه واجبًا، وجمهورهم يوجب عليه الأصلح.

أما الأشاعرة الجبرية فنفوا عن الله الظلم بمعنىً مبتدع اخترعوه، لا بالمعنى الذي نفاه عنه أهل السنة، والذي تدركُ بدائه العقول كونه ظلمًا، فقالوا الظلم هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والله مالك كل شيء، فلا يكون تصرفه في ملكه على أي وجه ظلمًا، فلو عذب سبحانه أنبياءه وأدخلهم النار لم يكن ذلك منه ظلمًا! ولو أدخل إبليس وأتباعه الجنة لم يكن ذلك منه ظلمًا بل هو منه حسن وعدل! لأنه بذلك متصرف في ملكه، فلا يكون تصرفه فيه ظلمًا ولا قبيحًا، والخلق لا يوجبون على الله شيئًا، فالله يفعل ما يشاء، ولو فعل الظلم لم يكن قبيحًا، فحقيقة قولهم تجويز فعل الظلم على الله بالمعنى الذي ينفيه أهل السنة، والذي تدركه بدائه العقول، وهذا لأصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح، إذ لا حَسَن ولا قبيح ولا مدح ولا ذم عندهم قبل الشرع كما تقدم.

ومن خلال هاتين المسألتين يتضح بجلاء أن القول بشركية سجود التحية في هذه الأمة لا يستقيم إلا مع أصل الأشاعرة الجبرية الذين نفوا الحُسن والقُبح عن ذوات الأفعال، وجعلوها مضافة بالشرع فقط، فيجوز على أصلهم أن يكون الشيء قبيحًا في وقت حسنًا في وقت آخر بحسب أمر الشارع ونهيه، فالشرك عندهم ليس قبيحًا ومذمومًا إلا بالشرع، فلو أمر الشارع به -تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- لكان حسنًا، ولا يقبُح إلا بالنهي عنه.

وكذلك على أصلهم يقال في سجود الملائكة لآدم، فإذ كان مأمورًا به من الله تعالى فهو حَسَنٌ وطاعةٌ وقربة للأمر، ولما حَضَرَه ومنعه وحرَّمه الشارع على هذه الأمة صار قبيحًا وشركًا للنهي.

فتأمل على أي أصل يُخرَّج القول بشركية سجود التحية!!

فإن قيل: أليس نهي الشارع عن سجود التحية للبشر على هذه الأمة يصيره قبيحًا؟!

قلت: بلى، لكن ليس هو القبح الملازم لذات الفعل قبل ورود الشرع، كما هو قبح الشرك والفواحش، بل هو قبح يضاف إلى الفعل بخطاب الشارع [1] ، وإذا عرفت أن الشارع لا يأمر بفعلٍ تمحضت مفسدته،

(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والله تعالى عليم حكيم علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح، فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي

والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب، وقد ثبت بالخطاب والحكمة

الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:

أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم

يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من

حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا إن

العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولًا وهذا خلاف النص ...

النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.

والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما

وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح، وكذلك حديث: أبرص وأقرع وأعمى لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال

الملك: (أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك) ، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا

النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع

الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب).

[مجموع الفتاوى: 8/ 434 - 436] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت