الصفحة 124 من 146

قال ابن حزم رحمه الله: (السجود المأمور به -أي سجود الملائكة لآدم- لا يخلو من أن يكون سجود عبادة، وهذا كفر ممن قاله، ولا يجوز أن يكون الله عز وجل يأمر أحدًا من خلقه بعبادة غيره، وإما أن يكون سجود تحية وكرامة، وهو كذلك بلا خلاف [1] .

وكذلك يقال في سجود أبوي يوسف وإخوته ليوسف، وإذ ثبت أن ذلك كان مباحًا في شرعتهم، فالله لا يبيح الشرك أبدًا كما أنه لا يأمر به، إذ الشرك قبيح والله لا يبيح القبيح، وقد أقام دلائله على قبحه في النفوس والآفاق، وما أرسل رسله وأنزل كتبه إلا لنفي ذلك القبيح وإبطاله وتحذير الناس منه، كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء] ، وقال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) } [الزخرف] ، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] ، إلى غير ذلك من الآيات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فهم بعثوا -أي الأنبياء- بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديلها وتغييرها، فلا يأمرون إلا بما يوافق المعروف في العقول، الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول، فكما أنهم هم لا يختلفون فلا يناقض بعضهم بعضًا بل دينهم وملتهم واحد وإن تنوعت الشرائع، فهم أيضًا موافقون لموجب الفطرة التي فطر الله عليها عباده، موافقون للأدلة العقلية لا يناقضونها قط، بل الأدلة العقلية الصحيحة كلها توافق الأنبياء لا تخالفهم [2] .

فثبت أن سجود أبوي يوسف وإخوته لم يكن عبادة، لأن صرف العبادة لغير الله شرك، وإذا لم يكن سجودهم عبادة فلا معنى له إلا التكريم والتشريف والتحية، فصح أن السجود على ذلك الوجه غير داخل في حد الشرك، لأنه مباح والله لا يبيح الشرك أبدًا ولا يحبه ولا يرضاه ويمقت أهله، فاستقام الاستدلال على أن سجود التحية ليس شركًا، وتقرر بطلان قولِ من عدَّهُ شركًا من جهة الأمر، ومن جهة الشرع.

وهذا التقرير بحمد الله منسجم مع قول أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح، وفي مسألة أخرى ذات صلة بها، وهي: مسألة الظلم، وهل يمكن وقوعه من الله تعالى؟

وقول أهل السنة أن الله لا يفعل الظلم وهو قادر عليه، وأفعاله سبحانه كلها خير وعدل، والشر ليس إليه.

(1) الفصل (5/ 16) .

(2) النبوات (2/ 1091) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت