الصفحة 123 من 146

وطائفة تقول: بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة، وأن ذلك قد يعلم بالعقل، ويستحق العقاب بالعقل وإن لم يرد سمع، كما يقول ذلك المعتزلة، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، كأبي الخطاب وغيره.

وطائفة تقول: بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يعاقب أحدًا إلا بلوغ الرسالة، كما دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وفي قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) } ، وقال تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .

وهذا أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة، قبل مجيء الرسول إليهم، وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.

وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} حجة على الطائفتين ... [1] .

فإذا اتضح أن الأفعال لها في ذاتها صفة الحُسْن والقبح، وأن ذلك مُدرك بالعقل، وأنها مقتضية للحمد والذم قبل الشرع، إلا أن العقاب مشروط ببلوغه رحمةً من الله، فيقال:

الله سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن فعل القبيح وعن الأمر به، فهو القدوس السلام، المُبرأ جل في علاه من كل النقائص والمذامّ، ولا شك أن الشرك أعظم القبائح وأكبر النقائص، فلا يمكن أن يأمر الله به أحدًا من خلقه البتة، ولا أن يرضاه لهم بحال من الأحوال، فهو سبحانه لا يرضى لهم القبيح، ولا يرضى لهم الكفر، ولا يأمرهم بالقبيح ولا يأمرهم بما لا يرضاه لهم ولا منهم، فكل ما أمر الله به خلقه من أمر لا يمكن أن يكون شركًا، لأن الشرك قبيح، والله منزه عن القبائح.

فأمره سبحانه وتعالى للملائكة بالسجود لآدم، لا يمكن أن يكون أمرًا بسجود العبادة لآدم، لأن صرف العبادة لغير الله شرك، والشرك قبيح، والله منزه عن كل قبيح، فلزم أن يكون لسجود الملائكة لآدم معنىً غير معنى العبادة، ولا ثمَّ غير العبادة معنىً إلا التحية والتكريم والتشريف، فثبت أن سجود التحية والتكريم والتشريف ليس هو سجود العبادة، وأن سجود الملائكة لآدم مُخرِجٌ للسجود على هذا الوجه عن حد الشرك، لأن الشرك قبيح والله لا يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه بوجه، فثبت أن سجود التحية ليس شركًا.

(1) درء تعارض العقل والنقل (8/ 492 - 493) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت