الصفحة 122 من 146

وقال ابن القيم رحمه الله: ( {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} ، وعلى أحد القولين وهو أن يكون المعنى لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال، وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سببًا، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب، ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا، وعوقبوا بالأول والآخر [1] .

وهذه مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وقد خالفَ أهل السنة فيها طائفتان:

الأولى: قالت بأن الأفعال ليس لها صفة الحُسن والقبح، وأن العقل لا يُحسِّن ولا يقبِّح، ولا يدرك حَسَنًا ولا قبيحًا، وأن الحُسْن والقُبْح ليسا من صفات الأفعال وإنما تضافان بالشرع، فالحسن ما أمر به الشارع، والقبيح ما نهى عنه، فلو أمر بالظلم والشرك وغشيان الأمهات لكانت حسنة للأمر، ولو نهى عن العدل والصدق وأداء الأمانات لكانت قبيحة للنهي، ولهذا قالوا لا ذم ولا عقاب قبل مجيء الشرع، وهذا قول الأشاعرة المجبرة ومن تأثر بقولهم من المنتسبين لأهل السنة.

الثانية: قالت بأن الأفعال لها صفة الحُسْن والقبح قبل ورود الشرع، وأن قبحها وحسنها معلوم بالعقل، وأن العقاب مُستحقٌ على فاعل القبيح قبل ورود الشرع، وهذا قول المعتزلة، ووافقهم عليه الماتريدية، وبعض المنتسبين لأهل السنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والناس لهم في هذا المقام ثلاثة أقوال، قال بكل قول طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أصحاب الأئمة الأربعة، أصحاب أحمد وغيره.

طائفة تقول: إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البتة، وكون الفعل حسنًا وسيئًا إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه، وهذه صفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط، فيجوزون تعذيب الأطفال والمجانين.

(1) مدارج السالكين (1/ 248) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت