فهرس الكتاب
وقال العلامة القاسمي رحمه الله: ( {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أي: سجد له أبوه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر، تحية وتكرمة له، وكان السجود عندهم للكبير يجري مجرى التحية عندنا [1] .
وقال العلامة السعدي رحمه الله: ( {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أي: أبوه وأمه وإخوته، سجودًا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، {وَقَالَ} لما رأى هذه الحال ورأى سجودهم له {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت [2] .
قلت: فثبت من خلال ما تقدم من قول الصحابي عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، ثم من بعده من التابعين، والأئمة والعلماء اللاحقين، أن السجود منه ما يكون على وجه العبادة، ومنه ما يكون على وجه التحية والتكريم، وليس الأول كالثاني وإن اشتركا في الاسم وجزءِ المسمى، فالأول من حقوق الله وخصائصه، لا يجوز صرفه لأحد سواه، ومن صرفه لغيره فقد أشرك بلا خلاف، وأما الثاني فهو مما أبيح فعله في الشرائع السابقة وجاء تحريمه بلا نزاع في شريعة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام، وهي أكمل الشرائع وأتمها وأوفاها.
فعلى هذا يكون تقرير بطلان قولِ من عدَّ السجود على وجه التحية شركًا، من وجهين في غاية الأهمية:
الوجه الأول:
أن الشرك قبيح، وقُبحه مستقر في الفِطر، ومركوز في عقول البشر، قبل ورود الشرع المطهر، ولهذا فالشرك قبل ورود الشرع سبب للعذاب، ولكن من رحمة الله بخلقه أن علّق إيقاعه بشرط نذارة الرسل، فهو لا يعذب أحدًا من خلقه لم تبلغه الحجة الرسالية، وهذا كله قول جمهور أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية شيئًا قبيحًا وكان شرًا، لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول [3] .
وقال أيضًا: (فإن قيل: إذا لم يكن معاقبًا عليها فلا معنى لقبحها، قيل: بل فيه معنيان:
أحدهما: أنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة .. [4] .
(1) محاسن التأويل (6/ 220) .
(2) تيسير الكريم الرحمن (ص 405) .
(3) مجموع الفتاوى (11/ 676 - 677) .
(4) مجموع الفتاوى (11/ 686) .