فهرس الكتاب
فلا تباين ولا اختلاف بين الأنبياء والمرسلين في أصول الدين، إنما الاختلاف بينهم في الشرائع، فالله مايز بين الأمم في التشريعات، وجعل لكل أمة ما يناسبها وفق حكمته سبحانه، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام، والأعراف، وسورة بني إسرائيل، كقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى آخر الآيات الثلاث، وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} إلى آخر الوصايا، وقوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وقوله: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما في السور المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله، إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة [1] .
فاتضح بهذا أن ما يحصل فيه الاختلاف بين شرائع الأنبياء لا يمكن البتة أن يكون من أصول الديانة التي بُعثوا جميعًا بتبليغها وإقامة الحجة على الناس فيها، وتتابعوا على ترسيخها وتقريرها زيادة على ما فطر الله الناس عليه وركزه في عقولهم، بل ما وقع التباين بينهم فيه لا يكون إلا من قبيل التشريعات التي تقبل النسخ والإثبات وتَوَارُدَ الأمر والنهي والإباحة، بحسب حكمة الله، وعلمه بأحوال خلقه وما يُصلحهم، فأما التوحيد فلا يَرِدُ عليه إلا الأمر، ولا يلحقه النسخ والتبديل، وضده القبيح في الفطر والعقول لا يَرد عليه إلا النهي، ولا يلحقه النسخ ولا التبديل.
فظهر أن سجود التحية من قبيل التشريعات التي يصح توارد الأمر والإباحة والحظر عليها بحسب حكمة الله، والشرك لا يمكن أن يَرِد عليه غيرُ الحظر، فلزم أن لا يكون سجود التحية شركًا.
وقد تقدم إيراد كلام الصحابي عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، وغيره من التابعين، والأئمة المتبوعين، في أن سجود التحية من قبيل الشرائع بما يغني عن إعادته، وأزيد هنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه، كما في الترمذي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال:(لا) ، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان
(1) مجموع الفتاوى (15/ 159 - 160) .