فهرس الكتاب
هذا على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله [1] .
وقال أيضًا: (أبو يوسف وإخوته خروا له سجدا ويقال: كانت تحيتهم، فكيف يقال: إن السجود حرام مطلقًا؟ وقد كانت البهائم تسجد للنبي صلى الله عليه وسلم والبهائم لا تعبد الله [2] ! فكيف يقال يلزم من السجود لشيء عبادته؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لعظم حقه عليها، ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمرًا أحدًا أن يعبد [3] .
وقال أيضًا: (أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية، فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله تعالى أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل إذ أحب أن نعظم من سجدنا له، ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له ..
-إلى أن قال-: وقوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ، فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر، فالقصد منه والله أعلم الفضل بينهم وبين البشر الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره، فأخبرهم أن الملائكة لا تعبد غيره، ثم هذا عام وتلك الآية خاصة فيُستثنى آدم، ثم يقال: السجود على ضربين، سجود عبادة محضة، وسجود تشريف، فأما الأول فلا يكون إلا لله، وأما الثاني فلم قلتَ إنه كذلك؟ والآية محمولة على الأول توفيقًا بين الدلائل [4] .
فاتضح من خلال هذين الوجهين أن سجود التحية ليس هو سجود العبادة، وأن لكل منهما وصفًا وحكمًا، فالأول من قبيل الشرائع وهو محرم في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم بلا نزاع، والثاني من قبيل الشرك الذي لم يبحه الله في وقت من الأوقات فضلًا عن أن يأمر به، وحرمته وقبحه لغير الله معلومة متقررة في الفطر والعقول قبل الرسالات، وما أرسل الله رسله وأنزل كتبه إلا لتأكيد قبحه، وإبطاله وزهقه، وتذكير الناس بما فطروا عليه من ذلك.
(1) مجموع الفتاوى (1/ 377) .
(2) لعل الصواب أحد هاتين العبارتين: (والبهائم تعبد الله) بحذف لا، أو (والبهائم لا تعبد إلا الله) بزيادة إلا.
(3) مجموع الفتاوى (4/ 360) .
(4) مجموع الفتاوى (4/ 360 - 361) .