فهرس الكتاب
فليس ما قام بقلب الساجد لبشرٍ على وجه التحية من الخضوع والتذلل والتعظيم، كالذي يقوم بقلب الساجد للصنم منها، ولو كان القَدْرُ كالقَدْر لكان الحكم كالحكم، وإذ اختلف حكم الشارع على الفعلين فلا يمكن البتة تساوي لوازمهما القلبية، بل باختلاف الحكمين تبينَّا أن ما قام بقلب الساجد على وجه التحية من قَدْر الخضوع والتذلل والتعظيم ليس قَدْرًا مكفرًا أو مُشرِّكًا.
قال الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله، في كلامه على سجود أبوي يوسف وإخوته ليوسف: (فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟! وإذا جاز السجود لغير الله فلم لا تجوز العبادة لغير الله؟!
والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تجوز إلا لله، وأما السجود نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء [1] .
وقال العلامة أبو محمد المقدسي فك الله أسره: (التعظيم إن لم يكن معه تنسك وتأله وخوف وحب ورجاء فليس بعبادة، ولا شرك، بل هو ذريعة قد يفضي إلى ذلك إن دخله الغلو والمبالغة.
وكذلك فليس كل خوف عبادة كما هو معلوم، ولا كل حب كذلك، بل في ذلك تفصيل معلوم [2] .
ومن خلال هذين الوجهين يتضح فساد ذلك الاعتراض، والله تعالى أعلم.
والخلاصة مما تقدم: أن السجود للبشر تحية أو تكريمًا أو تشريفًا أو محبة أو تواضعًا وما في معنى ذلك، معصية من المعاصي وليست من المكفرات، فإن قام احتمالٌ بتحقق المعنى المكفر في الساجد، فالشأن في هذه الحال كالشأن في سائر المحتملات التي قد تكون كفرًا وقد لا تكون، وما كان هذا حاله من الأعمال والأقوال فلا يحل التكفير به قبل الاستفصال والاستبيان، وتحقق قصد المعين إلى النوع المكفر، أو ظهور قرينة واضحة لا شِيَة فيها تدل على ذلك، فالهَرَع للتكفير في هذه المقامات قبل ذلك لا يقدم عليه من يحتاط لدينه، وبالله التوفيق.
ولا يفوتني قبل نقل جملة من كلام أهل العلم في هذه المسألة أن أنبه على ثلاثة أمور:
الأول: أن ما تقدم من التفصيل في السجود، لا يُهوِّن البتة من حرمة السجود للبشر، فتحريمه مُجمع عليه في الشريعة الخاتمة، والشارع ما حرَّمه إلا حياطة لجناب التوحيد، وحفاظًا على عُرَاه أن يُخلص إليها والمرء لا يشعر، فالشريعة الخاتمة أشد الشرائع حرصًا على ذلك الجناب السامق بتقطيع كل السُبل والذرائع التي
(1) تفسير السمعاني (3/ 67) .
(2) الثلاثينية.