الصفحة 134 من 146

الأولياء والعلماء، لم يكن كفرًا، والفرق عسير ... -إلى أن قال- فحينئذ الفرق مشكل، وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه [1] .

فهذا العز بن عبد السلام وشهاب الدين القرافي وهما من هما قد أشكل عليهما هذا المقام، وعسر وجهه على الأفهام، فما زلت بهما الأقدام، ولا قالا: إذ لا يظهر لنا وجه الفرق بين السجودين فلا وجه للتفرقة بينهما بحكمين، بل سلما لعلمهما أن الشارع لا يفرق بين متماثلين من كل وجه، ولا يجمع بين مفترقين من كل وجه، وإن خفي ذلك على الناظر فليس هو لعدمه في نفس الأمر، فهذا دأب أهل العلم، وبمثله فليُعتبر!

الوجه الثاني: أنه ليس كل خضوع عبادة، ولا كل تذلل عبادة، ولا كل تعظيم عبادة، ولو كان الأمر كذلك لكان تقبيل يد الوالدين أو العالم أو كبير السن عبادة لهم، ولكان التذلل وخفض الجناح للمؤمنين عبادة لهم، ولكان القيام للقادم عبادة له .. إلخ، وهكذا يقال في غيرها من العبادات القلبية كالمحبة، والخوف، والرجاء، ونحوها، فليس كل ما صدق عليه اسم محبة أو خوف أو رجاء أو خضوع أو تذلل أو تعظيم يكون عبادة يكفر من يصرفها لغير الله، بل هي على مراتب شرعًا وقدرًا، والفيصل في تحديد مرتبة ما اشتبه من جزئيات مسمياتها للشارع وحده دون سواه.

على أن التكفير لا يناط بالأمور القلبية الخفية، بل مناطه الأسباب الظاهرة المنضبطة من أقوال وأعمال، وليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يُكفِّر الخلق بغير قول أو عمل دل الشارع على كونه كفرًا، فالتكفير بالأعمال لمجرد اشتمالها على ما يمكن تفاوت رتبته من أعمال القلوب ضرب من ضروب الغلو، إذ لا بد من معرفة حكم الشارع على القدر المشتمل عليه عين الفعل من عمل القلب وهل هو مكفر أم لا، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بمعرفة حكمه على متعلق عمل القلب من الفعل أو القول الظاهر، وهذا هو المطلوب.

وحينئذٍ فالتكفير بعملين مشتركين في الاسم، دلّ الشرع على اختلافهما وتباينهما في الحكم، بحجة اشتراكهما فيما هو متفاوت الرتبة -عمل القلب- تعدٍ على حدود الله.

فإن اختلاف حكم الشارع على ملزومين مشتركين في الاسم، لا يمكن أن يكون مع اتحادهما في اللازم قَدْرًا، وما دام قد صدق تَعدُّد مراتب اللازم، فالقول باتفاق الملزومين في قَدْر اللازم مع اختلاف الحكم من الباطل الذي يُنزه عنه الشارع، بل فيه نسبته إلى العبثية إذ يُفرق بين متماثلين ولا يجمع بينهما.

(1) الفروق (1/ 125 - 126) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت