فهرس الكتاب
الثاني: أن يثبتوا الحديث، ويجعلوا سجود معاذ من الشرك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عذره بالجهل، فيكون الحديث دليلًا عندهم على العذر بالجهل في الشرك الأكبر، فيقعوا بهذا في خطأين، ولا يتحصلوا مخرجًا من اللوازم السابقة.
والحديث بحمد لله ليس مما يستشكل، بل هو منسجم مع دلائل الكتاب، وإنما العلة في الأفهام، أو في الاختيارات المُسبقة الملجئة إلى استشكال النصوص بدلًا عن التسليم لها، وبناء الاختيارات عليها، والله المستعان.
وأكتفي في هذه المسألة بالأدلة الثلاثة المتقدمة.
اعتراض وجوابه:
فإن اعترض على ما تقدم من يجعل سجود التحية شركًا فقال: السجود خضوع وتعظيم وتذلل للمسجود له، والخضوع والتعظيم والتذلل عبادة، من صرفها لغير الله كان مشركًا، ويلزم من أجازها أو لم يكفر من صرفها لغير الله، أن يجيز سائر صنوف العبادة من صلاة وطواف ونحوها، ولا يكفر بها!!
فيقال: جواب هذا القائل من وجهين:
الوجه الأول: أنه كان يجب على صاحب هذا القول حين عسر عليه فهم وجه الفرق بين سجود التحية وسجود العبادة أن يقف عند حدود الله، ولا يتقحمها بالقياس الفاسد، فيجمع بين ما فرق الله بينهما شرعًا وقدرًا، فشأن أهل العلم حقًا هو التزام شرع الله، والوقوف عند حدوده، وعدم تعديها بأقيسة العقول أو بقال فلان وقال فلان، ولو استشكلت نفوسهم شيئًا أرغموها بالتسليم والإذعان، {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] .
وانظر حال إمامين من الأئمة استشكلوا وجه الفرق بين السجود للصنم وبين السجود للأب ونحوه، مع تسليمهما بأن الأول كفر بخلاف الثاني، ولم يحملهما استشكالهما وخفاء الفرق عليهما على تعدية حكم الأول على الثاني، بل وقفا حيث علما، قال القرافي رحمه الله: (اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له كفر، ولو وقع مثل ذلك في حق الولد مع والده تعظيمًا له وتذللًا، أو في حق