الصفحة 132 من 146

فتدبر أيها العاقل وتبصر، أين هو فعل معاذ -على القول بشركية فعله- من فعل عمر؟!! وأين رد النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ من رده على عمر؟!!

فأين هذا من ذاك؟! أوليس أحرى وأولى أن يكون غضب النبي صلى الله عليه وسلم وإنكاره أشد وأكبر وأزجر على مستحسن الإشراك؟!!

وهذا كافٍ للعاقل ليعرف فساد القول بشركية سجود التحية.

رابعًا: قوله صلى الله عليه وسلم: (فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ، دالٌ على أن مراده بالسجود سجود التحية والتكريم لا العبادة، ودال على أن السجود على ذلك الوجه ليس من الشرك، إذ لا يجوز أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يعبد غير الله لأمرت المرأة أن تعبد زوجها) ، ولا أن يكون معناه: (لو كانت آمرًا أحدًا أن يشرك بالله .. ) ، فهذا لا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المبعوث من ربه إلى الخلق ليخلصوا له العبادة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فكيف يقال يلزم من السجود لشيء عبادته؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ولو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لعظم حقه عليها، ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمرًا أحدًا أن يعبد [1] .

فإن قيل بعد هذا: هذا شرط والشرط لا يقتضي الوقوع ولا الجواز.

فيقال: مع التسليم بهذا، إلا أن تجويز صدور ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى دليل، وأين نظيره في أقواله صلى الله عليه وسلم؟!!

فإذا اتضحت هذه الأوجه، واتضح ما يلزم القائل بشركية سجود التحية من لوازم، فليعلم أن حديث معاذ رضي الله عنه مما يستشكله المخالفون، ولذلك فليس لهم أمامه إلا أحد مسلكين:

الأول: تضعيف الحديث، وهذا ملحوظ عند طائفة من المعاصرين، وبتضعيفه ينفلتون من إشكالاته ولوازمه التي لا انفكاك لهم عنها، مع أن المسألة ليست متوقفة على هذا الحديث كما تبين.

(1) مجموع الفتاوى (4/ 360) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت