الصفحة 131 من 146

وجه الدلالة من الحديث:

أولًا: فيه إثبات السجود على وجه التحية والتكريم والتشريف، إذ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لا يمكن أن يجهلوا أن عبادة غير الله شرك، بل المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمون أن أُسَّ الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم وأساسه هو إفراد الله بالعبادة والكفر بكل ما سواه من شريك ونديد، فلو رأى معاذ ما رآه من السجود للبطارقة والأساقفة على وجه العبادة ما ارتضاه ولا ابتغاه ولا استحسن فعله للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ظن به أو بغيره من الصحابة رضوان الله عليهم غير هذا فقد افترى عليه، وتنقصه، وأزرى به، وأبلغ في أذاه، والله حسيب المفترين، وطليبهم يوم الدين.

ثانيًا: فيه أن سجود التحية قد كان مشروعًا في من كان قبلنا، وقد تقدم تبيان هذا.

ثالثًا: فيه دلالة على أن سجود التحية ليس شركًا، فتأمل نهي النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ (فلا تفعلوا) ، فهل يتناسب هذا الأسلوب النبوي مع شركية المنهيِ عنه، عند من يقول بهذا؟! وهل يُناسبُ حالَ مُستحسنه الجاهلِ بشركيته -وحاشاه-؟!

فلو كان فعل معاذ شركًا ما اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي المجرد من غير بيانٍ لشركية ما استحسنه معاذ جهلًا منه -وحاشاه-، فالمقام مقام كفر وإيمان، لا يؤخر عنه إقامة الحجة والبيان!

أوليس يَنسِبُ من يقول هذا القول وهو لا يدري إلى النبي صلى الله عليه وسلم التفريطَ في تبليغ الرسالة؟! نعوذ بالله من موارد هذه الجهالة!!

وما عُهِد عنه صلى الله عليه وسلم في مقاماتٍ أقل بكثير من مقامات التوحيد والشرك إلا شدة الإنكار والتحذير، إذا كان في الإنكار حفاظًا وحياطة لجناب الدين والتوحيد، فانظر على سبيل المثال فعله وقوله عليه الصلاة والسلام لما أتاه عمر بصحيفة من صحف أهل الكتاب، فقد أخرج الإمام أحمد [1] وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، وقال:(( أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني ) ).

(1) المسند (23/ 349) ، والحديث حسنه الألباني رحمه الله في الإرواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت