الصفحة 16 من 146

مستكثرًا فهو يعلم مِن بُعْدِ غايتِهِ، والعجزِ عن إدراك نهايتِهِ، ما يصده عن العُجْبِ به [1] .

وحكى رحمه الله في هذا الشأن قصة ذات عظة حصلت له، يحسُن إيرادها للاعتبار، قال: (ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابًا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألاني عن بيع عَقَدَاه في البادية على شروط؟ تضمنت أربع مسائل! لم أعرف لواحدة منهن جوابًا!! فأطرقت مفكرًا، وبحالي وحالهما معتبرًا، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟! فقلت: لا، فقالا: واهًا لك! وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما! وانصرفا عنه راضيين بجوابه! حامدين لعلمه! فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا، وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجرُ نصيحة، ونذيرُ عظة، تَذَلَّلَ بها قِياد النفس، وانخفضَ لها جناح العُجْب، توفيقًا مُنِحْتُهُ ورشدًا أوتيته [2] .

قلت: ثم ما عسى المرء لو حاز العلوم كلها أن ينفعه علمه إذا أدّاه للتكبر والاغترار، فنكَّبه سبيل الأبرار، وقرَّبهُ من مَحِلّة البوار؟!

ذلكم إبليس المدحور المذؤوم، من أعلم خلق الله، ما أغنت عنه تلك العلوم؟! فغروره وكبره وعُجبهُ بنفسه أرداه وأشقاه! ومنعه سجدة الفلاح والنجاة! فتلك جهنم سرمدًا أبدًا مستقره ومأواه!!

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كلامه على فوائد قصة آدم عليه السلام مع إبليس اللعين: (ومنها عدم الاغترار بالعلم، فإن اللعين كان من أعلم الخلق فكان من أمره ما كان!! [3] .

وقال عند قول الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} : (فيه مسائل:

-إلى أن قال- السابعة: عدم الاغترار بغزارة العلم، الثامنة: عدم الاغترار بصلاح العمل [4] .

وتأمل في حال أتباع إبليس من الأمم المكذبة برسل الله، كيف اغتروا بما عندهم من علم، فكذبوا رسل

(1) أدب الدنيا والدين (ص 73) .

(2) أدب الدنيا والدين (ص 73) .

(3) تفسير آيات من القرآن الكريم، للشيخ محمد بن عبدالوهاب (ص 86) ط 1 - مطابع الرياض.

(4) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص 111) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت